تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمضى جساس يستعطفها مطمئنا بإقامتها بسلام لديه هي وناقتها، وهنا طالبته العجوز بمرعى يليق بناقتها الطلسم هذه.

ويلاحظ أن البسوس هنا لا تطلب مرعى بقدر ما هي تطلب «حمى أو حمية» كحمى مكة وحمى الطائف؛ حيث ترتع النوق السائبة التي من «نسل ناقة صالح» رغم هزالها وجربها، فمن الواضح إذن أننا بإزاء ناقة مقدسة أو تابو، خاصة إذا ما كانت من نسل ناقة «النبي» صالح، الذي تتواتر أساطيره ومأثوراته حول ناقته أو طوطمه المقدس الممثل في الناقة، والذي كان قد أرسل هو وناقته إلى قوم ساحرتنا البسوس هذه الحميريين القحطانيين اليمنيين؛ عاد وثمود وطسم وجديس وبقية الاثني عشر سبطا أو قبيلة مندثرة، منها العماليق ورائش وعرفات وجرهم.

ومن هنا يلاحظ تواجد اتساق طوطمي بين البسوس وناقتها من جهة، وبين ناقة صالح من جهة مقابلة، الذي تخبرنا فابيولاته أنه كان قد أرسل إلى قوم عاد وثمود البائدة أو المندثرة، وإن دولة عاد هذه كانت دولتين، ويرى البعض أنها كانت متعاصرة في اليمن وعمان وحضرموت مع حكم الأسرة الثامنة عشرة في مصر الفرعونية، وفي فترة حكم الملك تحتمس الثالث.

بينما معاصرتها دولة ثمود كانت تحكم نجد والحجاز والشام بأسره، متضمنا لفلسطين والأردن، وكان منهم الأشداء أو الأشدوديون الفلسطينيون الذين تميزوا بنحت بيوتهم في الجبال.

3

ولهاتين الدولتين الساميتين المتعاصرتين - «عاد وثمود» - أرسل النبي صالح وطوطمه الناقة إلى البلاد اليمانية، مع ملاحظة أن تسمية اليمن كانت تطلق متضمنة الشام وفلسطين بأسرهما؛ لذا تواتر تسمية اليمنيين وذي اليمنين، على اعتبار أن إحدى اليمنين كانت متوحدة شمالا وجنوبا.

كذلك ينسب إلى قوم عاد بناء مدينة دمشق.

فالناقة - أنثى الجمل - من أقدم المعبودات - الآلهة الطواطم - العربية.

ويلاحظ أن العربي القديم كان يتبدى في الآثار الحفرية المصرية والأشورية والبابلية والفارسية القديمة جمالا،

4

فالجمل حيوان مهم جدا عند البدوي القديم، وكان وحدة قياس لمهر العروسة، ودية أو فداء القتيل، والميسر والتضحية، يشرب البدوي لبنه بدلا من الماء (سورة النحل).

وحفظ هذا الحيوان - الطوطم - في اللغة العربية؛ فمن اسمه اشتقت تعبيرات جمال والجمال والجميل والجامد والجيد، وكذا الجمائل والفضائل، وتحوي اللغة العربية للجمل نحو ألف اسم مختلف، ويرى البعض أنه كان من العوامل التي سهلت الفتوح العربية ثم الإسلامية؛ نظرا لجلده على تحمل العطش - شقاء - 25 يوما.

كذلك عرف العرب الجاهليون شعائر النوق والجمال السائبة التي تترك لترعى في حمى الأرض الحرام - مثل: مكة والطائف - منافعها للآلهة، فإذا ولدت الناقة خمسة بطون آخرها ذكر، شقوا أذنها وأخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وتصبح سائبة، فكانت تنذر للآلهة والأرض المقدسة أو المحرمة، فيقول العربي: «إذا شفيت فناقتي سائبة.» وهكذا تصبح الناقة محرمة، أو تحت التابو للآلهة الأصنام بدلا من الناس.

فما يهمنا هنا هو توحد كلتا الناقتين لصالح والبسوس؛ ذلك أن كلتيهما تسببت في كارثة قومية أسطورية: ناقة صالح - أو ناقة الله - التي كانت سائبة للآلهة فعقرها له قومه، فكان أن دمر رجل الله قبائل عاد وثمود، حين أرسل عليهم الرعاف - السيول - كعقاب، كما هو الحال مع قوم نوح والطوفان.

ويلاحظ أن «صالح» الذي أرسل إلى قوم أو قبائل «ثمود» الآرامية، وكانوا يسكنون اليمن إلى أن طردهم الحميريون القحطانيون وبالتحديد حمير بن عبد شمس، الملقب بسبأ؛ «لأنه كان يسبي أعداءه»، فنزلوا مدائن صالح بالحجاز، وأصبحوا مضرب الأمثال في التفريق، فقيل فيهم: «لعبت بهم أيدي سبأ.»

وعنهم أنشد المتنبي:

أنا من أمة تداركها الله

غريب كصالح في ثمود

كما قيل فيهم:

فأهلكوا ناقة كانت لربهم

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٣١