5
قد أنذروها وكانوا غير إنذار
كما يلاحظ أن الكشوف الحفرية أثبتت وجود مدائن صالح المعروفة بهذا الاسم شمال غرب السعودية إلى اليوم، ومن معالمها الأثرية البارزة اليوم، وأورد اسم مدائن صالح المؤرخ «سترابون»، وذكر الطبري أن ثمود أقامت في الحجر وضواحيها بين الحجاز وسوريا، «وهي تفوق في ضخامتها مدينة البتراء
6
وآثارها المتبقية؛ فهي عبارة عن أضرحة ومدافن يبلغ عددها 130 مدفنا، عليها كتابات ثمودية ونبطية، ووجد رسم الجمل الطوطم كوحدة أساسية في هذه الحفائر الثمودية.»
فتوحد ناقة صالح مع ناقة البسوس يضيف بعدا جديدا لنسبهما؛ ذلك أن الساحرة سعاد نجحت بعد تزيينها ودهنها بالطيوب لأن تتركها سائبة ترعى في مراعي وحمى الملك كليب ذاته، ملفتة إليها الأنظار بالطيوب التي عنها يذكر هيرودوت أن بلاد العرب كانت تفوح بالعطر والطيوب؛ لأنها - كما يقول - البلاد الوحيدة التي تنتج المر واللبان والقرفة واللادن. أما الجغرافي «سترابون» فدعا جنوب الجزيرة العربية «بلاد الطيوب» كما ذكر «ديودورس الصقلي» أن أرض الجزيرة تثمر الطيوب؛ بحيث كانت تربتها نفسها تعبق بالأريج.
كما تصاحب هذه الطيوب الأسطورة القحطانية المصاحبة لأرض الميعاد العربية، حين أوصى قحطان - أبو العرب الجنوبيين اليمنيين - ابنه يعرب بأن يسير مهاجرا متبعا رائحة المسك والطيوب، إلى أرضه المقدرة أو الموعودة في الشام واليمن.
وحيث شملت تسمية اليمن «كل ما هو واقع على يمين القبلي.»
وهكذا اندفعت هذه الناقة السائبة ترتع، إلى أن دخلت «بستان أو حمى كليب»، الذي كان من «أحسن منتزهات الدنيا»، والذي يذكرنا ببساتين الزرع والضرع للآلهة الممزقة - المغتالة ككليب - بستان أويزيريس، والذي حفظت شعائره في زهرية أو قصرية زرع بذور جثمان الإله الممزق موسميا، تبعا لوالي الجدب والنماء والاخضرار، وحديقة أدونيس
Adonis
فيما بين النهرين، وأتيس
Attis
الفريجي أو الأناضولي، وكذا ديونزيوس، وديونزيوس زاجريوس في كريت وجزر البحر الإيجي.
فهو بستان أو حمى مقدس للملك كليب، مضت ناقة البسوس - سراب - تعبث به آكلة زهوره وأشجاره وثماره، وعندما حاول عبيد كليب إرجاع الناقة، اشتبك معهم رعاة البسوس، وكبرت المكيدة إلى أن وصلت مسامع الملك كليب الذي أمر رعاته بذبحها - سراب - وطرحها خارج البستان.
وما إن عاد عبيد البسوس إليها بالخبر وجثة ناقتها المضرجة بالدم حتى صاحت: الآن بلغت مرادي وأخذت ثأري من الأعادي.
وأمرت عبيدها بسلخ جلد الناقة الذبيحة وتلفحت بها وشقت ثيابها هي وبناتها وعبيدها ، ومضت تبكي وتندب إلى أن وصلت ديوان الأمير جساس، ملقية بجلد الناقة الذبيحة بين يديه. •••
ومرة ثانية تطل هذه الشعيرة العربية الأصل والمنشأ - كما يرى فريزر - المتصلة بالتوحد مع الحيوان الإله - أو الطوطم - عن طريق ارتداء جلده، كما فعل كليب ذاته - ليلة العرس الدامي - للملك التبع حسان اليماني مختطف زوجته الجليلة، حين تخفى متنكرا تحت جلد الكباش والثعالب
7
أنيوبيس، وكما فعلت سعاد الساحرة - البسوس - حين تلفحت بجلد ناقتها المقدسة الذبيحة، فهي هنا إنما تتوحد بالحيوان الإله الذبيح في استجارتها بجساس الأمير.
وحين أعلمت جساس بالأمر «عصفت برأسه نخوة الجاهلية.»
وقام إليها فصرفها مهتاجا مطمئنا متوعدا بالانتقام من الملك الجائر كليب.
فذهبت البسوس مستبشرة ببلوغ مرامها في الثأر لرأس أخيها الملك التبع من مغتاله كليب.
أما جساس فقد شكا إلى قومه، وما وقع من كليب، فهدأه أكابر عشيرته، وأشاروا بأن يرسل إليه جساس مكتوبا يعاتبه فيه، على أنه لم يرع حرمة ضيوفه.
فاستصوب جساس الأمر وكتب كتابا إلى الملك كليب يعلمه بما حدث، ويطلب منه ثمن الناقة تعبيرا عن حسن النية.