تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعاد يعقوب ذاته فكرر هذا الاستلاب مع أصغر أبنائه «يوسف»، الذي كان «ابن شيخوخته»، ففضله على أبنائه الكبار الأحد عشر، حين خصه بالرداء متعدد الألوان الذي ميزه عن إخوته، فكان أن حقدوا عليه ليميتوه بنفس ما حدث مع الزير سالم - أي داخل البئر - بإيعاز من الجليلة، وبتضامن خفي من جانب قبيلتها القيسية على أن يوكل بمهمة التنفيذ للأخ الأكبر الملك كليب ذاته، حتى إذا ما نجح الزير سالم من الإفلات من حبائل الجميع؛ القبيلة والزوجة المغتالة والأخ الأكبر الغافل، والعودة لهم بمطالبهم، وهو دواء الجليلة ومطمع إنجابها - لبن اللبؤة - وتحقق له الفوز؛ كفوا عنه، وأولهم الجليلة التي يبدو أنها شفيت وأنجبت الابن الذكر الأصغر الوريث - وهو «الجرو» - سرا فأبعدته مخفية كإيزيس ووحيدها حورس.

ومن هنا يتضح أن زيارة الملك كليب لأخيه الأصغر المهلهل، ببئر سبع؛ ليهبه حقه الطبيعي في العرش والعودة به إلى القبيلة وتنصيبه ملكا بدلا منه، يحمل الكثير من التكفير، وهو ما لم يستجب له الزير سالم ويدركه إنقاذا لحق حفظ الميراث داخل القبيلة.

الذي لا بد وأنه كان الهدف الأقصى أو الأعلى لذلك العالم القبائلي الغابر، ومطمح سيره وبطولاته وملاحمه؛ ذلك أن حفظ الميراث - وصنوه السلطة - هو الهدف الأقصى لكلا تراثنا وواقعنا العربي الماثل، فما بالنا ببؤرة العالم القديم؟

| مصرع ناقة البسوس سراب

أما الساحرة اليمنية - متعددة الأسماء وأطوار العمر - البسوس والتي ما إن تتبدى في هذه السيرة مرة شابة جميلة فاتنة، حتى تتحول على الفور إلى عجوز شمطاء شريرة متآمرة، تزرع وتحصد بذور الانشقاق والفتنة بين أبناء العائلة الوطن الواحد.

وهي هنا أشبه بشخصيات الساحرة «كركة» التي تزخر بها الحكايات والفابيولات الخرافية، بدءا من الحكايات والفابيولات العثروتية السامية

1

حتى الهومرية الهلينية، مرورا بخرافات العصور الوسطى، وإلى ما يتواتر على أيامنا.

فما إن حسن كلام السارة البسوس ومدائحها الشعرية لدى أمير بني بكر جساس بن مرة، حتى أقامت لديه هي وقومها وعشيرتها وناقتها الطوطم سراب.

فأخذت «طاسة من الفضة وملأتها من المسك والزباد والعطر، وعمدت إلى ناقتها الجزنانة سراب فدهنتها جيدا بذلك الطيب، وأمرت أحد عبيدها أن يذهب بها ويجيء بالقرب من شرفة مجلس الأمير جساس، فلما استنشق جساس الرائحة، وعرف بأنها لناقة العجوز، فاستدعاها ليسألها عن الناقة، أخبرته البسوس بأنها من «سلالة ناقة صالح»، وفيها خصائص غريبة، فإن بعرها من المسك وعرقها من الزباد.»

ويلاحظ أن هذه الناقة المطلسمة - التي من سلالة ناقة صالح كما تذكر البسوس الساحرة - ستتوحد بالفعل كطوطم أو كناقة «سائبة» بناقة رجل الله صالح، التي عند موتها أو إيذائها أو ربطها

2

ستنزل الكوارث المتوحدة بدورها بالطوفان النوحي؛ كعقاب بالقبائل السامية العربية البائدة والمندثرة عاد وثمود، وتتبدى هذه الفابيولات كتفسير أسطوري وتاريخي لاندثار تلك القبائل البائدة أو العاربة.

فمصرع ناقة البسوس هذه بسهم الملك كليب - الذي سيرشقه معتدلا في ضرعها؛ ليشخب «اللبن والدم» - سيتسبب في إشعال حرب البسوس التي امتدت أربعين سنة بسببها.

كذلك يسري مصرعها متوحدا مع رأس الملك التبع المغتال حسان اليماني، ويطغى عليه إلى أن يفوقه على طول التواتر الروائي لهذه السيرة الموغلة في الطوطمية المصاحبة للتفكير البدائي، والذي هو اليوم بالنسبة للدراسات البنائية في موقع المانيفستو البنائي منه كما يذكر ليفي شتراوس.

وهو ما سنتعرض له في دراسات متأنية أكثر لاحقة في هذا الكتاب.

فحين أعجب جساس وطلب حيازة الناقة بأي ثمن، هنا لطمت العجوز وجهها، مشيرة إلى أن هذا ما توقعته، «فإني ما هجرت بلادي إلا لأجل هذه الناقة التي كلما نظرها ملك أو أمير طلبها مني.» ثم قررت الرحيل بقلب حزين.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٣٠