بل إن هناك جسدا لسيرة أو ملحمة تؤرخ لهجرة تقودها كاهنة محرضة يمنية قحطانية أيضا مثل البسوس هذه، لا بأس من التوقف عندها قليلا؛ للتعرف على مدى الخصائص والسمات لتلك القبائل التي تعبد الإلهة الأنثى الأم، وتولي بالتالي «الخال» تقديسها الأسمى.
وهي أسطورة قحطانية عريقة تستوجب التأني، تنسب أحداثها لهجرات حميرية مصيرية بالنسبة لمجرى وتاريخ أحداث الشرق الأدنى، ويؤرخ لها بما أعقب خراب سد مأرب؛ أي مع مطلع الألف الأولى قبل الميلاد.
فعندما وافت المنية الملك الكاهن عمران بن عامر، دعا أخاه عمرو بن مزيقيا وأنبأه بخراب البلاد، وبأهمية الزواج بالكاهنة طريفة ومات، وعامر سمي ميزيقيا؛ لأنه كانت تنسج له في كل سنة 360 حلة من الذهب الأحمر،
4
وكان يأذن للناس في الدخول، فإذا أرادوا الخروج خلعت حلته ومزقت؛ ولذلك سمي مزيقيا، ويقال: إنه أخذ سنته - أو شعيرته - هذه من ذي القرنين «يوم هتك عرشه ومزق حلته»، وهذا ويبدو أنها كانت بمثابة عيد أو شعيرة تتصل بالإلهة الزراعية الممزقة التي عادة ما تنقضي آجالها عبر موتة بشعة - كتموز، دونيس، أوزيريس، المسيح - مرة في كيفية تمزيق الملك لثيابه على مرأى من قومه، ومرة في طقوس هتك العرش التي يقوم بها جموع الشعب لعرش وملابس الملك أو التبع بطريقة موسمية محددة، وبشكل أكثر تحديدا؛ أي تبعا للدورة القمرية؛ حيث إن الرقم 360 يشير إلى السنة القمرية أو الهجرية فيما بعد.
ولعلني هنا أرجح أن تسمية الزير سالم بالمهلهل مرجعها هذه الشعيرة لهتك العرش والثياب أو هلهلتها، كشعيرة إحلالية لشعائر وطقوس قتل الملك الإلهي أو بديله - أي بديل الملك الممزق - في معظم المجتمعات خاصة الزراعية.
والملفت أن هذه التقليدة ما تزال سارية في الحواديت والبالاد الشفاهية المصرية والعربية عن هتك العرش أو الملابس وهلهلتها.
فما إن تزوج عمرو بن مزيقيا الكاهنة طريفة، وكان عمرو أعظم ملك بمأرب، وكان له تحت السد من الجنات ما لا يحاط به، فكانت المرأة تمشي وعلى رأسها مقطف فلا تصل إلى بيت جارتها إلا وهي تملؤه من كل فاكهة، من غير أن تمس منها شيئا، حتى إنهم دعوا على أنفسهم: «ربنا باعد بين أسفارنا.» إلى أن أرسل الله عليهم السيل؛ فخرب السد، وهو ما هتف به الهاتف أو الآتي وأخبر به طريفة في المنام حين زارها وقال لها: «ما تحبين يا طريفة: علم تطيب به نفسك؟ أو مولود تقر به عينك ؟ فقالت: بل علم تطيب به نفسي. فمر بيده على صدرها، ومسح بظاهر كفه على بطنها فعقمت، فكانت لا تلد، واتسعت في العلم وأعطيت منه حظا عظيما.»
وكان زوجها عمرو بن مزيقيا يكنى ب «ماء المزن» أو مأرب، أو «ماه رب»، وهي كلمة أشورية بمعنى البلد والسهل والوادي، كما أن «ماه» بالفارسية تعني القمر.
وكان ابن عمرو بن مزيقيا يدعى ثعلبة العنقاء
5
وهو «جد الأنصار من الأوس والخزرج».
وأمرت هذه الكاهنة طريفة - التي تذكرنا بكاهنة سيرتنا هذه البسوس - قومها من العرب الغساسنة بالنزول إلى الشام، فتملكوا عكاء بعد أن هادنوا ملكها «سملقة بن حباب العكي»، ونزلوا غربي عكاء.
ورفض ثعلبة العنقاء قتالهم متمثلا قول سلفه يعرب بن قحطان: «ويل للمنزول عليه من النازل.»
وتروي هذه الخرافة عن تدخل «جذع بن سنان وهو من الجن»: فأوقع بين الغساسنة وأبناء أعمامهم أهل عكا، إلى أن قتلهم الغساسنة ونفوهم من الشام، ثم أشارت عليهم الكاهنة بالمسير إلى همدان فتملكوها، وهكذا سارت بهم إلى نجران، تستحثهم على القتال وتخطب في المحاربين وترسم الخطط، وكانت تسكنهم قبيلة قبيلة، فملكت قبائل الأزد عمان، وملكت الأوس والخزرج
6 «يثرب ذات النخل» أو المدينة، وأنزلت همدان «نحو العراق بابل»، وأنزلت عليه علبة - أو جفنة بن عامر بن غسان - دمشق، وأنزلت قبائل السراة بن غسان تهامة.