تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى أن جدت أحداث أشعلتها العجوز الشاعرة أخت الملك اليمني المغتال «تبع حسان» الذي قتله كليب ليلة عرسه بقصره بدمشق، حين تسلل متنكرا تحت جلد الحيوانات الطواطم، وكذلك تسلل فرسانه المائة بحيلة تذكرنا بما فعله اليونان لاقتحام طروادة - أي بنفس طريقة مينلاوس في استرداد هيلانة - من أسر باريس بن بريام ملك الطروادنيين.

وما تتبع هذا من أحداث تنصيب كليب ملكا على عرش التبع المغتال بالشام وزواجه من ابنة عمه الجليلة بنت مرة، ورحيل أهلها البكريين - «بزعامة أميرهم » «جساس» عن الشام - إلى واد بعيد يبعد «تسع ساعات» عن العاصمة دمشق، رجحنا أنه وادي الأردن أو فلسطين، ويرجح الكثير أنه شمال الجزيرة العربية؛ أي وادي مكة وتخومها، ثم مكائد ضد أخي زوجها الأصغر الزير سالم الذي أحبطها جميعها بشجاعته، وانتهت بنزوله بير صندل السباع وإخضاعه لسباعها واتخاذها موطنا ومنفى، بل وانتقاما لحماره، وهي حكاية طوطمية جانبية، أصبحت ترد في النصوص المدونة لهذه السيرة على استحياء أو على اعتبار أنها مجرد نادرة أطلقها الزير؛ هربا من مكائد زوجة أخيه الجليلة، ذاكرا في أشعاره لأخيه كليب: «فأهل العقل لا تسمع لأنثى» بما يوحد بطلنا الزير سالما أكثر مع بقية الأبطال - الآلهة - الشمسيين، مثله مثل جلجاميش وعدم سماعه واستجابته لأنثاه المطاردة له عشتار، وشمشون مع نسائه الفلسطينيات، وآخرهن دليلة الغزاوية، وهرقل مع ديجنييرا، ونيسوس - ملك نيسا التي دمرها الطرواديون - مع زوجته، وأخيل مع زوجته بوليكسينا

Polyxene ،

«منذ أن لم يعد هناك سر يمكن للمرأة الأنثى استخراجه من الرجل عبر حمى الحب والعشق.»

فالزير سالم دأب على تبرير منفاه ببئر سبع هربا من مطاردات ومكائد النساء، متحججا لأخيه كليب ومتهكما بأخذ ثأر حماره: يا لثارات الحمار.

وليس في الأمر تهكم إذا ما عرفنا أننا بإزاء سيرة موغلة في القدم، كما أنها موغلة في الطوطمية والتفكير الغيبي والبدائي الخرافي.

فالأمر في هذه السيرة - كما هو الحال في مجمل سيرنا وملاحمنا العربية - لا يعدو صراعا طوطميا - جلي المعالم - بين الحميريين

1

وخلفائهم الكلبيين «اليمنيين» من جانب، وبين عرب الشمال الإسماعيليين في الحجاز والشام وفلسطين، وهو ما سنتعرض له عقب الانتهاء من المعرفة بالجسد الشعبي الفولكلوري لهذه السيرة الملحمة، مع الاحتفاظ بخصائصها الفولكلورية الأنثروبولوجية قدر الإمكان.

وهنا تطل بقايا الملحمة اليمنية - المتزاوجة مع ملحمتنا أو سيرتنا هذه - بخروج الملكة الشاعرة الساحرة المتعددة الأسماء؛ كإيزيس وعشتار؛ فمن أسمائها: «سعاد

2

وتاج بخت وهند والبسوس»، بالإضافة إلى الاسم الذي يرد في الأدب العربي الكلاسيكي «الهيلة»، باحثة عن ثأر أخيها المغتال في أرض الشام وفلسطيني، ملقية الفتنة بين التحالف العدناني القيسي: «ربيعة ومرة» أو تغلب وبكر، وتشفي غليلها بالتآمر لقتل الملك كليب قاتل أخيها التبع اليماني.

بالطبع تنسج الملحمة للبسوس فابيولاتها الغربية التي توحدها مع المتنبئة الشاعرة الطروادية «كاساندرا»، بل إن قصة حبها وزواجها مشابهة لما وقع بين أبولو وكاساندرا وصاحب زواجهما في النهاية.

فلقد كانت سعاد - أو البسوس - فاتنة جميلة فصيحة الكلام، شديدة البأس «تركب الخيل في الميدان وتبارز الفرسان»، واشترطت أن لا تتزوج إلا من يقهرها في ميدان القتال، وكان أن سمع بخبرها ملك عظيم اسمه «سعد اليماني» وكان ملك بلاد السرو،

3

فركب إليها وبارزها إلى أن اقتلعها من فوق سرجها فأقرت له بالغلبة، وتزوجها وأقام لها حفلة لمدة سبعة أيام، ثم عاد بها إلى بلاده التي يرجح أنها وادي الأردن، وظلت تحكم معه البلاد لمدة عشرة أعوام، إلى أن وصلها اغتيال كليب بن مرة لأخيها الملك التبع حسان، فكان أن ركبت هي وبيتها وبناتها وممتلكاتها وسارت تسأل عن «حلة بني مرة» فأرشدوها، فسألت من فورها عن الأمير جساس، وأنشدته - كما يذكر النص - مترجمة، سواء عن طريق استخدام مترجم أو أنها هي التي ترجمت أفكارها اللغوية المخالفة للغة هذه الشاعرة الساحرة، على عادة الآلهة الأنثى الأم لمجموع القبائل المتحالفة المهاجرة أو المغيرة، كما هو الحال بالنسبة للأمازونيات الليبيات المحاربات، وسارة الإلهة الأم لقبائل إبراهيم، والجازية بإزاء القبائل الهلالية في سيرة بني هلال، وكذا اليمامة ابنة كليب التي تسمى بها في سيرتنا هذه، كما سيرد فيما سيجد من أحداث وتكشفات هذه السيرة العربية الكبيرة، والتي ما هي سوى تراجم ذاتية لأنساب أبطالها، وصراعات بلاطهم وهجراتهم وحروبهم التي عادة ما تلعب فيها الإلهة الأنثى الأم دور القائد والكاهن والمزار القمري الطوطمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٢٦