وكانت في كل مرة تقول هذه الكاهنة كلاما مسجوعا، كأن تقول: «خذوا البعير الشدقم، فأنجزوه وخضبوه بالدم، حتى تأتوا أرض جرهم»، ثم حاربوا قبائل جرهم وبني إسماعيل، «فهزموهم حتى أدخلوهم مكة واستغاثوا بالحرم.»
وكانت مكة آخر مطاف تلك الهجرة القحطانية التي تزعمتهم هذه الإلهة الكاهنة الأم المدعوة طريفة، مثلما تزعمت سارة - الإلهة الأم - لقبيلة إبراهيم القبائل العبرية الرعوية، وضرتها هاجر قبيلة الهاجريين والإسماعيليين، ومثلما عبرت الأمازونيات المحاربات الليبيات بالقبائل الليبية ... إلخ.
وينسب لطريفة هذه أنها أول من سمعت العروبة قبل موتها:
إن ابنة الخير لها أعجوبة
وميتة تقضي لها مكتوبة
تودي بها في ليلة العروبة
كما ينسب لها تقديس ليلة الجمعة التي ماتت فيها طريفة ودفنت بعقبة الجحفة. •••
وإذا ما عدنا إلى سيرتنا هذه وكاهنتها البسوس حين زارت الأمير جساس، فأنشدته ما يفيد «بدوام أيام الأمير جساس بن مرة، ورفع على ملوك الأرض قدرك ومكانك، ونصرك على حسادك وأعدائك.»
وما إن تعجب جساس من فصاحتها وسألها عن حالها، حتى قالت بأنها: «شاعرة أطوف القبائل والعشائر، أمدح السادات والأكابر.»
ورحب بها جساس ودعاها للعيش في دياره وحمايتها من كل معتد عليها بقتله، وهنا كانت البسوس قد بلغت مرادها، فأقامت عنده شهرين تنشر الفتنة بين القبائل والقواد والأمراء، مثيرة الأحقاد بين البكريين على حكامهم التغلبيين أو بني ربيعة، وملكهم كليب مغتال أخيها التبع حسان اليماني.
وعندما وصلت ذروتها في تحريض القبائل، ووصل الأمر إلى أميرهم جساس، وملأته - بدوره - الشكوى من التغلبيين وتعديهم على قبيلته منذ أن تملك عليهم كليب بعد قتل التبع حسان.
واتخذ جساس قراره بضرورة الاجتماع بابن عمه - زوج أخته الجليلة الملك كليب - وإعلامه «بتعديات قومه وجورهم» ومعرفة رأيه وتصرفه، وعلى ضوء هذا التصرف يحق لجساس التصرف بدوره.
إلا أن فتنة البسوس كانت قد استفحلت إلى أن وصلت مسامع الملك كليب ذاته، وتبني بني مرة لها، فتضايق وأرسل بدوره إلى أميرهم جساس لتحذيره ومطالبته بإيقافها داخل «حركات البكريين وإخراج العجوز من القبيلة.»
وواضح أن كلتا السلطتين القبليتين لكلا البكريين والتغلبيين كانت تتوجس وتتجسس على الأخرى.
وهنا تأكد لجساس كلام قومه ومخاوفهم، فرفض الإذعان لمطالب الملك كليب وإبلاغه وكذا طرد العجوزة، وبدلا من هذا واصل تجميع الجموع وتفريق السلاح على قومه وتقويتهم بآلات الحرب والكفاح، وحرص جساس على أن يجري هذا الاستعداد سرا بعيدا عن عاصمة الملك كليب وعيونه، دمشق.
ولما أبلغ كليب أخذته الهواجس وازداد كدره وملأته الحيرة، فتذكر أخاه الزير سالم، وركب إليه في جماعة من فرسانه، وزاره في موطنه ومنفاه الموحش «بير السباع» أو بئر سبع بفلسطين.
فاستقبله الزير سالم مرحبا، وكان ثملا، وما إن أجلسه في مكانه اللائق حتى أخبره كليب أنه إنما جاء ليأخذه إلى القبيلة، «وأقيمك ملكا مكاني»، فكليب قد أضحى طاعنا في السن ولا قدرة له على الحكم والسلطان بعد أن تغيرت الأحوال ووقع النزاع بين القبيلتين، وأنشد كليب:
أخي سالم اسمع ما أقول لك
ففكرك ديره والذهن ليا
أراك اليوم في زهو ولهو
ولا تدري بما قد حل فيا
بنو قيس قد وقعوا بحلف
وجساس نوى يركب عليا
فقوم وشد عزمك يا مهلهل
لأنك أنت جبار عتيا
وإلا راحت البلدان مني
وصرنا مهزلة عند البقية
وكما يذكر الراوي لم تفلح استجارة كليب بأخيه الزير سالم سوى أن الزير ضحك مستهينا بتصورات أخيه الملك، مشيرا إلى قصره الذي شاده من جماجم أعدائه السباع التي قتلها أخذا بثأر حماره.
وأجاب الزير أخاه الملك كليب منشدا بدوره:
يقول الزير أبو ليلى المهلهل
أنا لي في الحرب عزما قويا
سباع الغاب خافت من قتالي