ومع ملاحظة أن الحزورة والأحجية - التي كان شمشون يطلقها - خصيصة فولكلورية عربية بأكثر منها عبرية، ولعل أهمها حزر أو فزورة قتل شمشون للأسد حين شقه كشق الجدي وليس في يده شيء، بنفس ما فعل الزير سالم حين قتل الأسد بيديه العاريتين، وذلك حين طالبته الجليلة بإحضار «لبن السباع»، فكان أن طلب سيفا ينازل به الأسد، فطلب الملك كليب - بدوره - من زوجته إعطاءه سيفه، فكان أن سخرت منه الجليلة، فكان أن اندفع الزير سالم منازلا الأسد بيديه العاريتين إلى أن صرعه.
بل إن في «أحبولة» قتاله مع الأسد وأسرته، وتعرفه على اللبؤة وحلب لبنها في حق رجع به إلى زوجة أخيه الجليلة لكي تحبل، ما يقرب بنا من فزورة شمشون.
وكيف وجد شمشون عسل النحل داخل جيفة الأسد، فأكل منه (من الأكل خرج آكل، ومن الحافي خرجت حلاوة).
فتوحد الزير سالم بشمشون، ويرجح أن الزير سالم هو الأصل المبكر جدا الذي عدل أو حور في سفر قضاة (13، 14، 15، 16، 17) لفابيولات شمشون ودليلة.
من ذلك أن كلا منهما تسلطت عليه امرأة فلسطينية، شمشون دليلة الفلسطينية التي التقى بها عقب سلسلة من المغامرات الغرامية مع عدة نساء فلسطينيات في تمنة ووادي سورق وغزة.
بما يشير إلى أنه كان «زير» نساء بدوره، مثل زيرنا، ومن أحد جوانبه وزواياه.
كما أن كليهما تسلطت عليه وطاردته امرأة بهدف استنزافه وهدمه وقتله؛ دليلة الفلسطينية مع شمشون، وجليلة العربية مع الزير سالم.
يضاف إلى هذا ارتباط كليهما - شمشون والزير سالم - بهزيمة أعدائه بفك حمار، وهو ما حدث لشمشون حين هزم أعداءه بلحى الحمار الذي حين فرغ رمى به، فسمي المكان «رمت لحى»، والزير سالم مع سبوعه الصريعة في بير سبع الذي حين نزل إلى بئرها تاركا حماره على بابها، وما إن نهق الحمار حتى استيقظ سبع كان نائما، ورفض الزير قتله، فقتل حماره فكان أن صرع الأسد المعتدي بلحى الحمار، وظل يحارب الأسود طلبا لثأر حماره، وكان كلما قتل واحدا صرخ متهكما: «يا لثارات الحمار.»
من هنا يرجح أن بطللنا الأسطوري الفلسطيني هذا - الزير سالم - هو الأنموذج الأمثل الذي استعارته الأساطير العبرية زمن الأسر الفلسطيني الثاني الإسرائيليين، ودون نصه متأخرا جدا في عصر القضاة أو شيوخ القبائل، ومنه تواترت فابيولات شمشون ودليلة والعديد من الموتيفات الأسطورية العبرية.
كذلك يلاحظ - بالنسبة للعلاقة بين تسمية الزير سالم أو سلم وبين تسمية القدس أور سالم - أن التسمية تشمل أهم الوديان والمعالم الطبيعية المحيطة بالقدس، وترد في تاريخ المؤرخ اليهودي «يوسيفوس» باسم «سلوام»
Siloam ،
وفي بعض النصوص الشعبية لهذه السيرة يرد أن الزير سالم بعد أن خرج من أرض كنعان سار وحده إلى مرج بني عامر
أو قبائل بني عامر الهلالية التي ينسب لها هلال بن عامر رأس بني هلال وسيرتهم.
وذلك عقب اعتكافه ببئر سبع، بل إن الزير انتسب إلى هذه القبائل ومرجها القريب نسبيا من مدينة حيفا الساحلية التي نزلها عقب أسره أو حروبه الغامضة مع حكمون اليهودي.
خلاصة القول: إننا بصدد سيرة ملحمية لمقاتل، شاعر، فلسطيني المنبت والمنفى - بئر سبع - تتسم أجواؤها وأحداثها بطابع فينيقي بحري؛ حيث نرى القيسيين - بني مرة - والكلبيين الحميريين - بني ربيعة - يقيمون ويتريضون ويتجسسون على شاطئ البحر المتوسط، حيث المدن الفلسطينية حيفا ويافا وبئر سبع.
وحيث أمضى الزير سالم رحلة موته وعبوره التي امتدت لثمانية أعوام في عرض البحار، حين كفنته أخته الضباع وألقته في البحر، وهو ما سيطالعنا في الفصول المستجدة.
| البسوس وحربها المضرمة 40 عاما
ويذكر راوي هذه السيرة الملحمية - التي يتعاقب فيها النثر والشعر الإنشادي - أن الزير سالم - أبو ليلى المهلهل - اختار الانعزال بنفسه بعيدا عن ملك أخيه - الملك كليب - المترامي في سوريا الكبرى وعاصمته دمشق، وطال به المقام في عزلته تلك بوادي بير سبع الموحش في فلسطين، فظل في منفاه الاختياري هذا يسمع الأنغام وينشد الأشعار ويشرب المدام، لمدة ثلاثة أعوام متصلة، هو وصديقه وصفيه الأمير «همام» بن مرة - زوج أخته «الضباع»، وأخ الجليلة زوجة أخيه.