تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما منفى الزير سالم فهو - كما يذكر نص ملحمتنا عشرات المرات - ببير سبع، كما كانت مكة موطن ومنفى إسماعيل.

ومن هنا يجيء افتراضنا بأن الزير سالم هو الإله الشمس الفلسطيني المحلي لبئر سبع، وأنه هو البطل الأسطوري الفلسطيني الذي ينسب إنشاء القدس أو أورشاليم له كما ذكرنا.

على اعتبار أن «أور» كلمة سامية عربية أكثر منها عبرية مثل: أورورو - أو الوركاء - الحالية بالعراق، وأور الكلدانيين التي اكتشفها قنصل إنجلترا بالبصرة عام 1854م، وعرفت بمدينة إبراهيم.

بل إن الزير سالم ذاته كان دائم التفضيل لأن يظل يعاشر الحيوانات وينمو معها كصياد أسود، فهو كأنكيدو - صديق جلجاميش وخصمه الحيواني - الذي تربى مع الحيوانات، يستقي معها عند منابع الماء.

إلا أن توحده الأعظم بإسماعيل يجيء من أن كليهما؛ الزير سالم وإسماعيل، يرتبط اسمه بإنشاء مدينة إسماعيل، الذي كبر في برية فاران التي أصبحت مكة، وأصبح أمة، ونبعت له بئر زمزم، والزير سالم، مع بئر سبع الذي فضل عقب انتصاراته على سباعها سواء أكانوا أعداء حيوانيين أم بشريين أن يتخذها مأواه أو منفاه، حين طالبه الملك كليب أن يتمنى عليه فيعطى، فلطب منه سكنى بير سبع، خاصة وأن له فيها ثأرا، وقال متهكما: «يا لثارات حماري»، وكان أن بنى فيها قصره الذي شاده من جماجم السباع واستوطنها.

فأورشليم

Ure Salem - ومعناها مدينة ساليم أو السلام - هي المدينة التي سقط اسمها من نصوص هذه الملحمة، والتي دفاعا عنها حارب الزير سالم معتليا في البداية حائطا يذكرنا بالمبكى، ثم حروبا حقيقية متصلة ضد من أسماهم النص بالروم المغيرين على فلسطين، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الجزء من الملحمة تعرض للكثير من عبث وإضافات بعض النساخ اليهود، وهو ما سنتناوله في حينه.

| الزير سالم أهي ملحمة فلسطينية؟

وواضح إذن أننا بإزاء «أشلاء» ملحمة فلسطينية موغلة في القدم، قد يرجع العمر التخميني لها إلى ما قبل الأسطورة المصاحبة لإبراهيم وابنه إسماعيل وبناء الكعبة؛ ذلك أن بلدة بئر السبع الفلسطينية ترتبط - للمرة الأولى - بنزول هذه القبائل العبرية إلى فلسطين، وزيارة إبراهيم لأهلها وحفره لبئرها، حين أشهد «أبيمالك الفلسطيني على أنه هو الذي حفرها» سبع نعاج تأخذ من يدي لكي تكون لي شهادة بأني حفرت هذه البئر، ودعا الموضع بئر سبع، بل - وكما ذكرنا - فإن بئر سبع هذه كانت منفى إسماعيل وأمه هاجر وليست مكة حين أعطاها إبراهيم قربة ماء، فمضت وتاهت في برية بئر سبع إلى أن كبر إسماعيل وسكن في برية فاران أي مكة.

بينما يستشف من هذه الملحمة أن بئر سبع وواديها كانت موحشة مهجورة غير مأهولة بالسكان حين نزلها الخليل إبراهيم وحفر بئرها، كمكة قبل أن ينزلها إسماعيل ويتخذها مأوى ومسكنا، ويصبح أمة، وتنبع له بئر زمزم بالمقابل.

وإذا ما عرفنا أن هجرة قبائل إبراهيم إلى فلسطين - وارتباطه بزيارة بئر سبع - ترجع إلى مطلع الألف الثانية قبل الميلاد، يصبح عمر ملحمتنا هذه - «الزير سالم» - ما قبل أربعة آلاف عام، وعلى أقل افتراض عمر بطلها الزير سالم ذاته الإله المحلي لبئر سبع.

يرجح هذا أن لقب «الزير» الملكي لا يرد بكثرة إلا في حالتين على طول التاريخ العربي - سواء العلمي الأركيولوجي الحفري أو الأسطوري الفولكلوري - الحالة الأولى باكتشاف ملوك ما قبل التاريخ المصري الفرعوني، الذين تسموا ب «زير» في تاسا والبداري، أي ما قبل الألف الرابعة ق.م، كما يذكر عالم ما قبل التاريخ الماركسي: جوردن تشايلد.

والحالة الثانية في السير والملاحم والفولكلور العربي بعامة، هي حالة بطلنا هذا الفلسطيني سالم، الذي لقب «بالزير» سالم، يضاف إلى هذا أن «ملوك» بني الزيري بالأندلس يرجح أنهم فلسطينيون بأكثر منهم أنباطا أردنيين أو فينيقيين لبنانيين.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٢٣