تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول كليب من شعر نفيس

قصيد ما نظمه قط قائل

جليلة اسمعي يا بنت عمي

أرى عقلك بهذا اليوم زائل

أأقتله ليشفى اليوم قلبك

ومنه قد ظهرت لنا فعايل

سباع الغاب هابت من لقاه

كذاك الخيل صيرها جفايك

ثلاث ألوف يلقاهم بصدره

من الشجعان فرسان القبايل

تقولي اقتله وارتاح منه

فقولك جهل ما هو قول عاقل

فإني لا أبيعه بألف مثلك

ولو مهما جرى منه فعايل

أراك تطلبي قتله سريعا

فقولك عنه ليس له دلائل

فقولك يا جليلة قول باطل

فحاش الزير أن يتبع رذايل

فقلي من كلامك لا تزيدي

أيا بنت الأماجد والأصايل

وفهمت الجليلة باطن كلامه، فأظهرت السرور ومازحته، وصبرت عليه أياما ثم عاودتها مكائدها، وفي هذه المرة ادعت المرض ورقدت في الفراش، وقالت لكليب: لي حاجة إليك لا يقدر عليها سوى أخيك الزير، أريد مقدار كأسين من حليب السباع؛ لأنه يقوي الأعصاب.

وادعت أن الدواء وصفته لها دايتها،

10

وأنه سيأتيها بولد لإحياء ذكرى الملك «كليب أبي اليمامة»، فيحكم شرقا وغربا «من أرض الروم للكعبة دواما»، وأنشدت الجليلة تقول:

مقالات الجليلة بنت مرة

كليب اسمع لي يا أبا اليماما

وأنت اليوم ملك في البوادي

يا ليت ألحق بك يا أمير داما

وتحكم يا ملك شرقا وغربا

من أرض الروم للكعبة دواما

وكم أبراج من ذهب وفضة

جواهر تشرق جناح الظلاما

ولا لك طفل تحيي فيه ذكرك

سوى سبع بنات مثل الحماما

أتاني منك سبع بنات أتاني

ولا جاني منك ذكر غلاما

وقالت دايتي لي يا جليلة

معي لك علم يبري السقاما

لبان لبوى بصوفه احمليها

تروحي في ذكر حامل قواما

فنادي الزير وأخبره سريعا

أدام الله عمرك بالسلاما

فلما فرغت الجليلة من شعرها، صدق كليب مقالها وأرسل في طلب الزير كما أشارت في آخر أنشودتها السالفة المهمة، التي يصح أن نتوقف عندها، خاصة بالنسبة لهذا الإمبراطور العربي الجاهل كليب، الذي أنجب منها سبع بنات، ولم يتسم إلا باسم صغراهن «اليمامة»: «أبا اليمامة».

فاليمامة - كما يتبادر إلى الذهن - رمز أو شعار طوطمي عربي إسلامي، تسمت بها عدة مدن عربية في شمال الجزيرة وجنوبها اليمني، ارتبطت بفابيولا زرقاء اليمامة المتنبئة بجيش الشجر الجرار الزاحف على مدينتها، ويلاحظ أن نفس الأمثولة استخدمها شكسبير في ماكبث الذي قد يتشابه من أحد جوانبه بالملك كليب، فكلاهما تسلطت عليه امرأته الدموية تسيره.

والملفت أن الجليلة لم تطلب «حليب لبؤة» بقدر ما هي طلبت في شعرها - وللتعجيز - «لبان لبوى

11

بصوفه احمليها»، بل «لبن» بمعنى المني أو السائل المنوي، ويبدو أنها لن تشربه بقدر ما هي ستستعمله عبر فرجها لتحمل، وتجيء كليبا بابن ذكر يحيي ذكرى الملك وريث التبع.

ويبدو أن الجليلة حضرت بنفسها طلب الأخ من أخيه إحضار حليب السباع؛ ذلك أن الزير الذي وافق ملبيا طلب سيفا يتسلح به، فطلب كليب - بدوره - من الجليلة أن تعطيه السيف فبادرته: ألا تستحي يا زير أن تطلب سيفا وأنت في هذه الشجاعة، فأطرق وخرج إلى غابة كبيرة الأشجار والصخور، وليس معه سوى سكين وعصا - كهرقل وشمشون - إلى أن توقف في مواجهة أسد غاضب ما إن بادره مهاجما حتى قبض عليه الزير من ذيله

12

ونشله بقوة ساعده وزنده، فضربه في الأرض وقتله بالعصا، وما إن هم بجز رأسه، حتى رأى لبؤته وأشباله السبعة من ورائها، فصعد شجرة إلى أن تأمل ثديها وألقى بنفسه عليها ونحرها بسكينه، وملأ الحق من حليبها، وساق أشبالها بعد أن ربطهم، وجز رأس الأسدين، وعاد إلى العمران محاطا بضجة الفرسان العرب من حوله، إلى أن دخل مدينة دمشق حاضرة ملك أخيه كليب.

وما إن سمعت الجليلة الضجة فأطلت برأسها من الشباك،

13

ورأت الزير سالم مقبلا على تلك الحالة؛ حتى التهب قلبها بنار الغضب، ثم دخل الزير على الجليلة وكان كليب معها، فسلم عليها ورمى الرءوس أمامها وأعطى الحق لامرأة أخيه.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ١٩