تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما تعجب كليب من بطولته وسأله، أنشد الزير:

يقول الزير قهار المواكب

رماني الدهر في كل المصائب

فلا تسمع أخي قول الأعادي

لأن الضد شوره ليس صائب

يشوروا عليك في رأي وخيم

ليسقوك يا أخي كأس المتاعب

فأهل العقل لا تسمع لأنثى

لأن كلامها لا شك كاذب

فاعلم يا أخي فيما جرى لي

بهذا اليوم في وادي التعالب

وجدت السبع وسط الغاب دائر

كأنه جائع للصيد طالب

فلما شافني حالا أتاني

وكشر عن أسنانه والمخالب

فصحت عليه صيحة جاهلية

فقدم يا أخي هاجم وطالب

حززت بخنجري رأسه فهوى

على وجه الثرى للأرض قالب

أتتني بعده لبوة مغيرة

فلما شفتها وليت هارب

رأيت أشبالها سبعة وراها

فداروا جهتي من كل جانب

فلما شفتهم جاءوا لنحوي

طلعت لشجرة ذات الشناغب

فداروا حولها فرميت نفسي

فصرت لظهرها بالحال راكب

حززت لرأسها وملأت حقي

حليبا بعد أن نلت المآرب

ورأس السبع واللبوة قطعته

علامة للأغارب والأقارب

وسقت أولادها السبعة أمامي

فلما صرت في وسط المضارب

فلاقتني جميع رجال قومي

وحياني الأباعد والأقارب

هذا ما جرى لي في نهاري

وما قاسيت من هول المصائب

وحين وصل الزير سالم إلى مقولة مأثورة: «فأهل العقل لا تسمع لأنثى» أدركت الجليلة ما يعنيه، وأنه إنما يلمح لها، وعادت فأضمرت له الشر الدفين، بل هي وصفته «بالقبيح»، ومن جديد واصلت مكائدها وإلحاحها، إلى أن استقرت على مكيدة أن يمرض كليب، ويزوره الزير في الفراش، ويطلب منه أن يشرب من بئر السباع أو بلدة «بئر السبع» الفلسطينية التي سيتخذها الزير سالم مأوى ومنفى له، حيث سيقيم له قصره فيها من جماجم سبوعه أو أعدائه.

فحين وافق الزير سالم على إحضار ماء بئر السباع، أخذ حمارا وقربة ماء، واندفع من جديد مخاطرا في وادي السباع الموحش.

مع ملاحظة أن الحمار والأتان من أخص خصائص الفولكلور الفلسطيني ومنها: حكايات

14 «بلعام» ومأثوراته الكثيرة التي تسربت إلى التراث العبري المدون.

بل إن في اتخاذ الزير سالم للحمار ومواجهة الأسد في بير السباع - أو بئر سبع - ما يوحده بالإله الشمس الفلسطيني شمشون، ذلك إذا ما أضفنا تآمر وإلحاح الجليلة - أو جليلة - المتوحد - إلى حد ملفت - مع إلحاح دليلة من شمشون، «ولما كانت تضايقه كل يوم بكلامها وألحت عليه ضاقت نفسه إلى الموت» (قضاة: 16).

وما إن وصل الزير سالم بير السباع حتى وجد سبعا نائما، وقد وضع يديه على فمه، فقال لنفسه: «هذا نائم وعيب أن أقتله غدرا»، لكنه ما إن فك قربته وربط حماره ونزل إلى البئر حتى نهق الحمار، فأيقظ الأسد النائم الذي هجم عليه من فوره وقتله وجعل يأكله، فلما خرج الزير تضايق وهجم على الأسد قائلا: «كيف تأكل حماري؟ وحق العرب لا بد من تحميلك القرب»، وصارعه بفك حماره بما يوحده أكثر من شمشون إلى أن ألجمه لجاما قويا، وأنهضه مثل السكران صارخا:

15 «يا قليل الأدب، الذي يأكل حمير العرب، عليه أن يحمل القرب.»

وهكذا ركبه الزير وساقه عائدا إلى العمران حتى دخل المدينة والناس في عجب، وما إن شاهداه من شرفة قصرهما كليب والجليلة في موكبه ذاك، حتى بكى كليب فرحا، أما هي فاشتعل قلبها واتقد، ولم يهدأ لها بال إلا حينما دبرت مكيدة أخيرة.

أما الزير سالم فإنه أنزل القربة عن ظهر أسده المستأنس المقهور، ثم ضربه ألقاه قتيلا، مغمغما: أخذنا بثأر الحمار.

وهنا أمر كليب خدمه أن يدخلوا الزير إلى الحمام، فدخل واغتسل ولبس «حلة من الأرجوان»، ومعروف أن الأرجوان الأحمر القاني كان الشعار الدامي لفينيقيا منذ أقدم العصور.

مع ملاحظة أن فينيقيا هنا تعني الطلائع البحرية من بين الكنعانيين؛ من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، سكان المدن البحرية الدول التي عرفت جوهر الهلينية كمجتمع ثقافي مستنير هدفه الأخير الإنسان حقوقه وواجباته، قبل أن يعرفها الهلينيون أنفسهم بأكثر من ألفي عام، كما يذكر شيخ المؤرخين أرنولد توينبي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٢٠