تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما سمع كليب شعرها وكلامها، غضب وأرسل من يحضره، وحين ذهب رسول الملك إليه امتنع عن المثول أمام أخيه الأكبر؛ لأنه كان يعاقر الخمر من جلسائه، وعاد الرسول إلى كليب وأخبره بما رأى، وبرفض الزير للمثول والمجيء، فأرسله ثانية فما حضر، فعند ذلك سار كليب إليه وقد عظم الأمر لديه، ودخل عليه خلوته ونهره وضربه حتى آلمه، «ثم نزع عنه ثياب الحرير حتى صار معيرة للكبير والصغير، وأرسله مع الرعيان ليرعى النوق والجمال.»

وحين عاد إلى الجليلة، وأخبرها ما فعل مع المهلهل؛ ازدادت كدرا واندفعت تدبر حيلة جديدة لشحن كليب ودفعه دفعا لإهلاكه، فقالت له: إنها بلغها من بعض الرعيان مروق أخيه وتهتكه إلى حد اللواط مع البدو والصعاليك، منشدة:

تقول الجليلة يا محفوظ

7

أتاني العلم بحال أخوك

وصار الناس بقيل وقال

وكل البدو عليك ضحوك

أنت أمير كبير القوم

وقيس وحمير قد هابوك

وتمعن الجليلة منشدة، معبرة عن تهتك الزير وفضائحه مع الرعيان البدو والصعاليك بما أصبح مسيئا للأرستقراطية الإقطاعية القبلية.

ومرة تالية نجحت في إلهاب قلب الملك كليب ضد أخيه، «فأخذته الحمية وعصفت في رأسه نخوة الجاهلية» كما يذكر النص.

وهنا أشارت عليه بنفي الزير إلى وادي الأسود والنمور، فركب إليه واقتاده كليب - قاطعين البراري والقفار - إلى الوادي المهجور، وما إن وطأه حتى «شخر جواد كليب ونخر، وإذا بسبع من بطن الوادي ظهر» فقاتله كليب، وأخطأه بحربته، وهجم عليه السبع لافتراسه إلى أن تقدم الزير فخلصه منه، وشق السبع بخنجره نصفين، ثم أخرج قلبه فأكله، وودع أخاه مطمئنا، وهذه أول إشارة إلى توحد الزير بالآلهة الشمسيين؛ جلجاميش وهرقل وشمشون وبيولف، فجميعهم قتلوا الأسد بأيديهم العارية، أو هراوة كتلك المرتبطة بهرقل، وبعضهم أيضا أكل بعض أحشائه كشمشون وألغازه.

ورجع كليب متعجبا، فأخبر زوجته الجليلة بما رآه، فأشارت من فورها بخدعة جديدة، مهاجرة كما يتضح من بالاد وفابولات يوسف

8

وزليخة وإخوته أبناء يعقوب، من زوجته «الحورانية» «ليئة» ابنة خاله لابان بن ناحور الحوراني، حين تآمروا عليه وألقوه في البئر.

9

والأمر ليس ببعيد طالما أن أحداثنا تجري ما بين دمشق وأرض فلسطين كما أشرنا، وعلى أقل تقدير فإن بطلنا الممزق - أو المهلهل هنا الزير سالم - إنما هو بطل فلسطيني قلبا وقالبا، أو لنقل: موطنا وخصائص.

فالمكيدة الجديدة التي تضاف إلى ما سبق من مكائد تدبرها الجليلة وتشير بها - من فورها - على الملك كليب: أن يأخذ الزير فيلقي به «على نية أن ينشل الماء في «بير صندل السباع» - وهي بير سبع الحالية بالأرض المحتلة - ثم يقطع الرعاة الحبل، فتغرقه مياه بئر سبع.»

وهكذا يذكرنا الصراع بين الأخوين بقصة الدولة الوسطى المصرية الفرعونية المعروفة بالأخوين أو باتا، والمكائد التي تلهبها شرور زوجة الأخ الأكبر ضد الأصغر.

وكالعادة استسلم الملك كليب لزوجته الجليلة منفذا، وركب جواده ومعه مائة فارس، فوصلوا إلى الزير، وأخذه معهم إلى «بئر صندل السباع»، وعند وصولهم قال كليب: سالم خيولنا عطشت الآن، انزل إلى البير واملأ لها.

فدلوه إلى عمق البئر في حبل، وأخذ يملأ وهم ينشلون ويسقون حتى ملئوا الأرض على باب البير، وجاءوا بالخيل ليسقوها فتزاحمت على بعضها البعض وأخذت بالصهيل والعنف والازدحام، وعجز كليب وجماعته عن ردها، إلى أن سمع الزير وهو في البير صهيلها وتمردها، فصرخ عليها الزير سالم صوتا مثل الرعد، فارتجت له الوديان والفرسان؛ فجفلت الخيل وتأخرت وانفصلت عن بعضها وهدأت واستكانت.

فتعجب كليب وأخرج أخاه سالما من «بير صندل السباع» وازدادت محبته له، ورجع به إلى الديار، وجليلة التي غابت عن الوجود من شدة الغيظ حين شاهدته راجعا فحدثها كليب بما رأى منشدا:

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ١٨