8 - نموه الأسطوري المدهش كطفل قدري موعود، إلى أن اشتد ساعده، فواصل بطولاته وخوارقه ضد الأسود أو السباع، ومن هنا اكتسب خصائص الآلهة الشمسيين.
ومن المعروف أن اللقب «زير» الذي يتسمى به يلازمه منذ طفولته - عشر سنوات - ويصاحبه، وسنتعرض له لاحقا خاصة أنه يبدو لقبا ملكيا؛ حيث تسمى به ملوك ما قبل التاريخ أو الأسرات المصرية ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد في تاسا والبداري كما ذكرنا في مقدمة هذه الدراسة.
| مكائد الجليلة ضد الزير سالم
فما إن استتب الأمر للأمير كليب وزوجته وابنة عمه الجليلة بنت مرة، فترامى سلطانه على معظم بلدان الشرق الأدنى القديم - فيما عدا مصر والمغرب العربي - حتى أخذت هذه الملحمة - السيرة - تجمع أطرافها كسيرة عائلية قبلية، قوامها هنا الملحمة - السيرة - تجمع الرمل والأسلاف وعبادتهم.
وهكذا سرعان ما اجتمع فرع بني مرة داخل التحالف القيسي، فاجتمعوا
1 «وضربوا تختا من الرمل؛ ليروا ما هو مخبأ لهم، فأظهر لهم الرمل أن أميرهم «جساس» مقدر له أن يقتل الأمير كليب، ويظهر الزير ويأخذ ثأره»، وهكذا تمهد الملحمة لظهور الزير سالم ونموه العجيب كطفل قدري أسطوري، فهو سوف يظهر ليفني بني مرة بالحرب لمدة أربعين عاما.
وعلى هذا اتفق أولاد مرة - وكان عددهم ثلاثة وأربعين ولدا - على اغتيال الزير سالم منذ المهد، وقبل أن يشتد ساعده ويفنيهم ويبيدهم عن آخرهم بحسب ما كشف عنه «تخت» الرمل.
فركبوا قاصدين أختهم الجليلة - زوجة الأمير كليب - وهي في موقع مزار أو كاهنة أو إلهة قمرية بالنسبة لقبائل بني مرة تستشار وقت الشدة وفي كبريات المهام، كالهجرة والثأر والحروب، ومن هنا فهي - كإلهة قمرية
2 - تدين ولاءها لقبيلتها، وليس لقبيلة زوجها وبعلها كما سنرى وتكشفه الأحداث.
فأشارت الجليلة بعدم قتل الزير سالم أو المهلهل وهو ابن عشرة أعوام وإلا انكشف الأمر، وأخذ كليب - زوجها - بثأره منهم، واقترحت عليهم أن تجعل كليبا ذاته يلقيه في المهالك، وأنشدت تقول:
مقالات الجليلة بنت مرة
تعالوا إخوتي أصغوا لقولي
تريدوا قتل أبو ليلى المهلهل
أخوه كليب خلفه مثل غول
ومن خلفه عدير (هدير؟) زيرقان
سباع الغاب في اليوم المهول
وست وأربعون
3
بنو أبيه
يجركم راكبين على الخيول
وتركب خلفهم كل الفوارس
فوارس تغلب مثل الفحول
ولكن سوف أرميه بحيلة
تحير كل أصحاب العقول
ويبقى كليب يقتله بيده
ويجعله طريحا على السهول
فاقتنعت قبيلتها برأيها السديد، ورحلوا بعد أن أسلموا لها قيادة الأمر.
حيث بدأت هي حبك سلسلة متوالية من المكائد والشرور ضد الزير، بدأتها متوحدة بزليخة؛ حيث «شقت جميع ما عليها من الثياب، وأظهرت الهم والاكتئاب» في مواجهة كليب عبر ردهات قصرها، وكان يحبها محبة عظيمة «لحسنها وجمالها وغنجها ودلالها.»
وما إن سألها كليب عما بها حتى بكت «من فؤاد متبول»
4
منشدة:
مقالات الجليلة بنت مرة
كليب أنت قيدوم السرايا
وتحكم في القبائل والعشائر
وفي كل المدائن والقرايا
وحكمك نافذ في كل أرض
وتخدمك الملوك مع الرعايا
وإني بنت عمك يا مسمى
ومثلي ليس يوجد في البرايا
أتأبى
5
الزير أخوك في غيابك
يريد فضيحتي بين الصبايا
قبضت عليه من عنقه فولى
وراح بسرعة وسط الخلايا
ألا يا مير قول لي كيف تعمل
فاقتله وأرديه المنايا
وإن لم تقتله حالا فإني
أروح اليوم في وسط الخبايا
وتبقى الناس تشتم في قفانا
ونبلى بالدواهي والرزايا
وهذا الأمر لا يصلح لمثلك
كريم الأصل عكار المطايا
6
فاقتله واخلص من بلاه
ولا تخش آثاما ولا خطايا
فقتل الزير أصوب من حياته
لأنه خائن دون البرايا
والجليلة في شعرها تتهم الزير سالم باغتصابها، مثلما فعلت فيدرا
Phaedra
ضد ابن زوجها هيبولت ابن ثيسيوس
Thessens ؛ فكلاهما - الزير وهيبولت - كان صيادا بريا، وكلاهما أقرب - بدورهما - من «أنكيدوا» البري الحيواني من مواجهة جلجاميش الزراعي ساكن المدن المتحضر.