ويبدو أن رذيلة خطف الزوجة واغتصابها - كالأرض والوطن - كانت كبيرة الكبائر فيما أدانها العالم القديم، فكانت السبب الرئيسي لحرب طروادة التي استمرت عشر سنوات متصلة، حين أقدم باريس الطروادي على اختطاف هلينا زوجة البطل الإغريقي منيلاوس كما ذكرنا منذ سطور.
كذلك يلاحظ أنه في حالة ملحمتنا حين اختطف الملك التبع حسان اليماني، أو هو اغتصب الجليلة بنت مرة، من خطيبها القيسي الأمير كليب، تمهيدا لاندلاع حرب البسوس التي هي موضوع هذه الملحمة، والتي امتدت أربعين عاما كما تذكر هذه الملحمة التي يرجح أنها فلسطينية عربية، من حيث إن ساحات أحداثها ومعاركها الحربية الكبرى تدور في «بير السباع» أو «بير سبع»؛ أي بيت شيبا أو بيت سبأ
Bethseba (2 صموئيل 12 / 24)، بالإضافة إلى يافا وحيفا والكثير من المدن والمعالم الفلسطينية، مثل: «النهى» والذنيب أو «الذنائب»، كما يذكر الزير سالم في شعره:
ولقد شفيت النفس من سرواتهم
بالسيف في يوم الذنيب الأغبس
كما أن من هذه المعالم والأماكن الفلسطينية ما يعرف برملات «خزازي» و«الرغام» و«ماء فضة» و«التحالق» ووادي الشعاب، بالإضافة إلى أحداثها المركزية المصاحبة لبطلها الزير سالم أو ساليم أو سلم، وعلاقته بالمدينة المقدسة من جانب.
ومن جانب مكمل لجغرافية مركز أحداثها المركزية المصاحبة لبطلها المحوري الزير سالم أو المهلهل، ما بين دمشق الشام إلى بير سبع فلسطين وحيفا، بل والقدس ذاتها، حين حارب الزير سالم معتليا أسوارها دفاعا عنها.
بل تحتفظ هذه الملحمة - السيرة - للزير سالم بأنه هو الذي أنشأ أو عمر مدينة بئر سبع أو بير سبع، حين اتخذها موطنه ومنفاه عبر صراعاته مع زوجة أخيه الجليلة بنت مرة كما سيرد. •••
فابنتهاء هذه الحلقة الافتتاحية المهاجرة الدخيلة على ملحمتنا هذه عن الزير سالم - أبو ليلى المهلهل - سيد ربيعة.
وأقصد بهذه الحلقة الدخيلة «التبع حسان اليماني» وفتوحاته للشام وفلسطين وغرب آسيا بعامة.
ولحين مصرعه على يد الأمير الفلسطيني كليب وخطيبته الجليلة بنت مرة، تبدأ أولى أحداث ملحمة أو سيرة «الزير سالم» على أرض فلسطين العربية بالنسبة لكل متنوعات هذا النص الشعبية، أو التي جاءت بها الطبعات الشعبية التي تحفظ لمجرى أحداث هذه السيرة الزير سالم موطنا جغرافيا - مكملا لمنبتها التاريخي الافترضي - هو ما بين سهول الشام دمشق وفلسطين.
بينما يختفي هذا الموطن الجغرافي في مأثورات ومعلقات الأدب العربي الكلاسيكي، ليحل محله موطن آخر هو شمال الجزيرة العربية فيما حول مكة والحجاز، بل وامتدادا إلى جنوب الجزيرة في اليمنين والجنوب العربي بعامة.
وفي معظم الحالات يرجح بالطبع ما تشير به النصوص الفولكلورية عن نظيرتها الفصحى أو الرسمية.
ويجدر بنا إعادة الاستشهاد بمعالم سيرتنا الملحمية هذه عن طريق الالتزام السردي بنصوصها قدر الإمكان، بما يشرك قارئ هذه السطور معنا في الترجيح الأخير بموطن وزمن وخصائص هذه السيرة العربية الكبرى.
| كليب الفلسطيني ملك العرب
وتبدأ سيرتنا - الزير سالم - عقب مصرع الملك التبع الطاغية الغازي حسان اليماني للشام وفلسطين، فما إن جز الأمير كليب رأسه، وانضم إليه فرسانه المائة خارجين من الصناديق مندفعين في ساحات قصر التبع المغتال إلى ساحات دمشق وباحاتها، مشرعا كليب رأس التبع حتى أعلن نفسه ملكا مكانه.
فاجتمعت بنو مرة وأكابر العشائر وأعيان الشام وقواد العساكر وألبسوه تاجا مرصعا بالجواهر، وأجلسوه على كرسي المملكة، وحكم كليب معاملا الناس بالجود والكرم، منصفا المظلوم ممن ظلم.
وفي الليلة التالية اجتمع شيوخ القبيلة، وزفوا عليه ابنة عمه الجليلة.
ومرة ثانية يجيء اسم فرعون مصر المسمى بالريان، وبنائه الشهير «معمر» حين طلبت منه الجليلة أن ينشئ لها قصرا من أجمل القصور وبستانا