يهين الضد في يوم الطراد
وبعده يظهر الهادي محمد
يقيم الدين ما بين العباد
وأصحابه معه عشرة كوامل
كرام الناس سادات البلاد
أبو بكر وسعد مع سعيد
وطلحة والزبير ابن الجياد
وعثمان مع عمر وعلي
وعامر مع حسين أهل الرشاد
يموت الهاشمي ويصير خلف
على الحكام بعده بالعباد
أبو بكر يموت بلسع حية
وبعده عمر يقتل بالطراد
علي بالسيف يرديه ابن ملجم
يتيما انتشى بين الولاد
وبعده بنو أمية سوف تحكم
سنين كثيرة ما بين العباد
ويتضح من مرثية التبع الإمبراطور المغتال انفتاحها التنبؤي، الذي ترك الباب مفتوحا بدوره لإضافاة الرواة والمنشدين المجهتدين عبر العصور، وبما يعرف بالإضافات الاستطرادية أو التراكم الملحمي.
فالتنبؤ هنا خصيصة أو شعيرة مصاحبة لأبطال هذه السير والملاحم من ملوك وتباعنة وشيوخ قبائل وقياقل كهنة، أو هم من العادة يجمعون بين كلتا السلطتين؛ الدنيوية السلطوية، الكهنوتية، التي تملك قدرات التنبؤ السياسي، كما يتضح من مرثية تبع حسان، التي يتضح فيها ظهور حكام على مدى عشرات القرون، فهكذا جاء ذكرهم في الملاحم كما يذكر التبع «وعندي قد تبين بالملاحم»، كما لا تنسى المرثية ذكر الملك الجرو ابن كليب - قاتل خاله جساس - وسيف بن ذي يزن وعنترة وأبا بكر الذي «يموت بلسعة حية»، واسم قاتل علي ابن أبي طالب «ابن ملجم».
فمثل هذا التنبؤ المتعارف عليه بالتراكم الملحمي - أي ما يلحق عادة بالسير والملاحم - يضيفه الرواة والنساخ عبر العصور التي فيها تواصل السير والملاحم تواترها.
والملفت هنا أنها خصيصة عربية من تراثنا السيري والملحمي تلازم الأبطال ساعة موتهم أو اغتيالهم أو انقضاء أجلهم؛ ذلك أن الأمير كليب - بدوره - سينشد مرثيته أمام مغتاله من الخلف؛ جساس بن مرة، وكذا جساس في مواجهة الابن المنتقم لأبيه «الجرو بن كليب».
| استرداد الحبيبة ... الوطن
وما إن انتهى التبع من مرثيته الدامية هذه الملفقة الدخيلة بالضرورة تبعا لما يعرف بالتراكم السيري والملحمي؛ أي في إضافات الرواة عبر العصور التي يوصلها الراوي هنا - على لسان التبع المتنبئ بإزاء مواجهته لموته ومصرعه - إلى العثمانيين.
وما إن انتهى الملك حسان من مرثيته حتى هجم كليب عليه قائلا: «لا بد من قتلك كما قتلت أبي، وأكون قد أخذت ثأري.» وقطع رأسه شاهرا.
وباغتيال الملك حسان، ليلة عرسه داخل مخدعه، تكون قد انقضت الحلقة التمهيدية لملحمتنا، والتي هي في موقع ملحمة أو سيرة مستقلة، نلحقها هنا في نهايتها مجسدة في مصرع الملك التبع المتجبر مختطف الزوجة أو الخطيبة - والحما أو الوطن - حسان اليماني.
بما يوحده من جانب بجو أو مناخ شبيه بالإلياذة الهومرية واغتصاب باريس الطروادي هيلانة الإغريقية زوجة منيلاوس، كذلك يتوحد بأجا ممنون عقب عودته منتصرا من حرب طروادة، لتتلقاه زوجته كليتمنستر
Clytemnesttra
وعشيقها إيجست
Aegistus
بغزوة أخرى داخل مخدعه، ويصرعانه داخل حمامه عبر احتفالات العرس الدامي بعودة ملك الملوك الفاتح المنتصر.
كما أن الأمر لا يبعد بنا كثيرا عن محصلة الأساطير الفلسطينية والعبرية للإله الشمسي شمشون
Samson
الذي خدعته دليلة الفلسطينية داخل مخدعها ليلة عرسه بمساعدة شيوخ قبيلتها، وعرفت سره وصرعته.
والاشتقاق اللغوي بين اسم دليلة وجليلة أو الجليلة قد يسهم في الإيضاح، بالإضافة طبعا للتوحد المكاني؛ حيث إن كلتيهما عربية فلسطينية.
بل إن الملك التبع حسان يمكن توحده مع فرعون إبراهيم مختطف سارة زوجته «وابنة عمه وأخته في الرضاعة»،
1
حين دخل الخليل إبراهيم مصر ووشي بحسن سارة امرأته إلى فرعون، فسأل إبراهيم عنها فقال: هي أختي من أبي لا من أمي، ولم يكذب في قوله، فاختارها فرعون لنفسه مختليا حتى تحقق أنها زوجته، فاستبشع كبيرة الكبائر هذه - اختطاف الزوجة - التي أدانها العالم القديم وردها إليه مع هدايا كثيرة؛ من جملتها: هاجر المصرية جارية «سارة» التي من رحمها جاء إسماعيل، وابنه قيدرا أبو العرب.