تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين أمر الملك برفع السلسلة اندفع كليب مازحا راقصا بسيفه الخشبي، فكان تارة يبحلق عينيه، ويرفص الأرض بيديه ورجليه، وتارة يقول: أين الفرسان الفحول؟ وأين ابن عطبول؟ وأحيانا يرقص ويضحك بلا سبب، وهو راكب الفرس القصب ويسوقها بذلك الدبوس الخشب، فاندهش تبع من أعماله، واستغرب أحواله وأقواله.

وحين ابتهج الملك التبع من الخلبوص، عاجله قشمر قائلا: إن كنت تريد الطرب الآن، فمر سيدتي الجليلة تغنيك؛ فإن صوتها مليح ولفظها فصيح.

وما إن طالبها التبع أن تغني حتى طلبت - بدورها - إغلاق الأبواب حتى لا يسمع صوتها حياء وتدللا.

وحين تطوع قشمر بهذه المهمة في إغلاق باب المخدع، غنت الجليلة أغنيتها المطلسمة الملغزة:

ما قالات الجليلة بنت مرة

شربت الخمر ما بين الإمارة

شربنا الخمر في كاسات جوهر

فزال العقل وصبحنا سكارى

بحضرة تبع الملك المسمى

بحسان إذا ما شن غارة

وقد أمسيت في قبضة يديه

ومن حبي شعل قلبي بناره

ألا يا حارس البستان صنه

7

وإن فرطت في الطير طاره.

ويلاحظ في أغنية الجليلة مدى الحسن النسائي، الذي هو سمة من سمات الأصالية الفولكلورية، كما يلاحظ بقايا اللغة السحرية والقدرة العقلية خاصة في شطرته الأخيرة: «وإن فرطت في الطير طاره» وكأنها تستفز كليبا من جانب أن يحذر فرارها وطيرها من يده، ثم العلاقة الاشتقاقية بين الطير والثأر أو التارة والتار، على اعتبار أن التبع قتل أباه «ربيعة المعظم»، ومن هنا فهي تختتم أغنيتها ب «طاره» أو ثأره، بما يعني أنها نقطة أو لفظة اتفاق بينهما عبر هذه الخطة - للعرس الدامي - بالغة الدقة.

وحين طرب تبع زاد به الوجد والغرام قائلا: «مثلك من تكون من النساء؟ فقد زاد سرورنا هذا المساء.»

وواصل كليب لعبه ومزاحه بسيفه الخشبي إلى أن داعبه تبع: عيب عليك يا قشمر أن ترقص بهذا السيف أمام الملك الأكبر. - أعطني إذن حسامك وأنا ألعب به أمامك.

وهنا توسلت الجليلة: بحياتي عليك.

وحين وافق الملك، اندفع كليب إلى داخل المدخل، حيث أودعت صناديق جوهر الجليلة المئة ففتحها مسرعا متقلدا درع التبع حسان وسيفه، ويبدو أن التناسق بين الجليلة وكليب كان في أشده؛ ذلك أن الجليلة لا بد وأن تكون قد أوصلت التبع إلى أقصى حالات شبقه وتوقده الجنسي المتوتر إلى حد الرغبة في إبعاد المهرج قشمر بما أتاح له فرصة خروج فرسانه من الطابق الثاني لصناديقهم وتقلده هو لخوذته ودروع التبع، ومفاجأته حين دخل على الملك، وقد احمرت عيناه متذكرا أباه الملك ربيعة فصال وجال، ثم تقدم من تبع وهجم عليه، فعرفه التبع وأيقن بالهلاك، والوقوع في شرك

8

العقال، وأمهله قليلا منشدا مرثيته الكبرى هذه:

يقول التبع الملك اليماني

لهيب النار تشعل في فؤادي

أمير كليب يا فارس ربيعة

ويا حامي النسا يوم الطراد

أريد اليوم أن أعلمك شيئا

لتعرف حال أخبار العباد

فموسى كان في الدنيا نبيا

له التوراة أعطت للرشاد

وداود النبي قد جاء بعده

يبشر بالزبور أهل الفساد

وعيسى بن مريم جاء أيضا

بإنجيل الخلاص لكي ينادي

وعندي قد تبين بالملاحم

بأنك قاتلي دون العبادي

وبعده شاعرة تنزل عليكم

وعبدي يذبحك بين الجماد

وأنت برمح جساس ستطعن

وتفتن بين قيس في البلاد

وتكتب في دماك على البلاطة

لمن بعد لتشتيت الأعادي

ويأتي الزير أبو ليلى المهلهل

فيصلي الحرب في كل البلاد

ويقهر كل جبار عنيد

يضرب السيف في يوم الجلاد

وتأخذ الجليلة لك قرينة

وتحظى بالمسرة والمراد

ويظهر لك غلام بعد موتك

يسمى «الجرو» قهار الأعادي

يقتل إلى جساس خاله

وأما الزير تقتله الأعادي

وسيف ذي يزن بعدك يظهر

وتصحبه السعادة في العباد

ويبقى ملكه سبعين عاما

وبعد ذلك يطوى في الوهاد

ويظهر له ولد يدعوه دمر

شديد البأس مرفوع العماد

فيملك في بلاد الشام بعده

يجيب الماء من أقصى البلاد

وبعده يظهر المدعو بعنتر

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ١٢