تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقول العجوز التي شاهدت

مليحة تريح العنا والصدود

يا مير تبع يهنيك فيها السعد

واقبل الخير لك والسعود

أتوك بنو قيس أهل السماح

وجابوا لك الخيل ثم النقود

وجابوا الجليلة لشخصك حليلة

بخدين حمر وعينين سود

وقامة طويلة كعود القنا

فوق الكتاف ترخي الجعود

بشعر طويل وشعر كحيل

بلا جر ميل تصيد السود

حواجب كما قوس ترمي الهموم

وذات خزام الذهب على النهود

وذات شفاف رقاق نظاف

عقايل طرايف تزيل النكود

ولها وجه كبدر بليلة قدر

ووجنات حمر كما الورود

وجسم رقيق وريق رحيق

وسنان لولو سبت الورود

لها عنق كعنق الغزال

وطوق الذهب يوقد وقود

كتاف كالعاج مثل الزجاج

والنقش مواج فوق الزنود

وكفين أطرى من الياسمين

من قد حواها ينال السعود

وصدر كاللوح خلقه الإله

وقد زين الصدر زوج النهود

قد زينوا بنو قيس لك عروسا

تجلي لأجلك كل هم وقود

للملك حقا قد أحضروا

مليحة خلالها يزيل النقود

فأرسل وراءها وخلي المحال

واسمع كلامي وأجلي الصدود

وادخل على بنت مرة وكن

لطيفا بقطف ثمار النهود»

4

وما إن ألهبت الساحرة العجوز قلب الملك حتى استقبل الجليلة، منبهرا من حسن جمالها وفصاحتها حين حادثته عن كيف أن اتصالها به شرف لقبيلتها، فأمر الملك بدخولهم وأجلسها إلى جواره على عرش التباعنة وألبسها تاجه وقرب قومها وامتلأت الكئوس، وهنا ألحت الجليلة في إدخالها بهلولها أو مهرجها قشمر بن غرة قائلة: «لي نديم اسمه قشمر، لا يوجد مثله بين البشر، حلو الصفات سريع الحركات، يضحك الأحجار بفعاله، ويزيل الهموم بغرائب أعماله»، فأذن التبع بدخول كليب في زي المهرج تحت جلد الكبش والبغال، أقرب في هيئته - وهو البدوي الوبري الفلسطيني الأدومي - إلى العيص أبو العرب الأدوميين والأردنيين حين خدعه شقيقه وتوءمه يعقوب،

5

حين تنكر متخذا هيئة عيسو أو العيص وكان يعرف بالرجل الأحمر أو المشعر، أي كثيف الشعر كالخواتيم، عن أبيهما إسحق - عقب عماه - ليأخذ منه البركة والميراث بدلا من أخيه الأكبر العربي، وبمساعدة أمهما «رفقة» وبهدف خداع أبيه، وحرمان «العيص» - كما تسميه العرب - من حقه في الميراث.

فتنكر كليب باستخدام جلود الحيوان خاصة الكبش، وبذا يحق له عبر هذه الشعيرة أن يصبح خليفة شرعيا للتبع المغتال وهو ما حدث بالفعل كما ستبصرنا الملحمة.

ويبدو أنها عادة سامية راسخة؛ عادة - أو شعائر - التمثل أو التنكر بجلود الحيوانات، خاصة طبعا إذا ما كانت طواطم؛ ذلك أنها ستطالعنا كثيرا عبر أحداث هذه السيرة الملحمية، وهي منتشرة بكثرة بين قبائل إفريقيا الشرقية، وكما يذكر فريزر أنها «لعبت دورا مهما في الحياة الاجتماعية والدينية عند قبيلة «أكيكويو» التي تسكن إفريقيا الشرقية، والتي ترجع - فيما يبدو - إلى أصل عربي، إن لم تكن ترجع إلى أصل سامي.

فالمعتقد هنا بالنسبة لشعيرة التنكر تحت جلد الحيوان هو اكتساب صفاته وقواه الخارقة.

فالشخص بارتدائه جلد الحيوان يطابق بين شخصه والحيوان الضحية، والذي يكون بمثابة الحاجز بينه وبين إيذاء القوى الشريرة بتخليصه من هذه القوى الغريبة التي تتملكه عبر شعائر التحول، والتمثل بالمولود الجديد من الجدي أو النعجة أو الكبش والذئاب في حالة كليب المتنكر باكتساب خصائصها من وداعة وافتراس.

أما عن جزئية اصطناعه للمهرج أو البهلول المخبول غريب الأطوار، فهي جزئية أو عبارة جوهرية لا تخلو منها ملحمة أو سيرة عربية، خاصة تحولات أبو زيد الهلالي عبر أحداث الريادة والسير وكذا الجازية وبقية الأمراء: مرعي ويحيى ويونس، وأيضا سيد البطال

6

من السير الفلسطينية ذات الهمة.

وعلى هذا النحو واصل كليب تحولاته أمام التبع ليلة عرسه، مظهرا فزعه أول الأمر من تلك السلسلة النحاسية - الطلسم - الذي كان قد حذره منها كاهنه العابد نعمان كما في مأثورات سحر الاتصال والمشاركة وتابواته، فكأن هذه السلسلة هي بمثابة حاجز كهربي سيصعقه فور دخوله مخدع الملك التبع، فتظاهر بالفزع الطفولي منها، وأخذ يتكلم بكلام مجهول يقول: ما هذه الحيلة التي أراها وأنا خايف من شرها.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ١١