من جديد اختلط صوتها، بوصية أبيه الواهنة له، والتي ربما كانت آخر ما نطق به من كلمات قبل أن يغمض عينيه، تائها في غيبوبة احتضاره إلى أن تلاشى عن الوجود. - في كل ما تقول لك سيدة جبل ضهر، اسمع لقولها.
مضت توغل في تأمله طويلا صامتة، ومتشاغلة بتلميس رءوس حياتها بكف يدها، في حنو. - تقدم يا حسان بن أسعد.
انتصبت من جديد واقفة متجهة إليه جاذبة في شبه أمر. - اجلس، قلت اجلس!
تهاوى من فوره جالسا على الكرسي الذي تهاوت رءوس ثعابينه متراجعة مستسلمة منكسرة، بينما دفعت له المرأة بإناء ليعب ما به من شراب. - اشرب.
وقبل أن يفرغ الإناء في جوفه عاجلته؛ قائلة: اقتل من فورك أول من تصادفه، حالما تتخلى عني خارجا من هذا المكان.
انسل حسان ينزف عرقا، مستندا بجدران المغارة، بينما طالعته صور وجهه على الأحجار البلورية، أكثر وحشة وتشويها، حتى إذا ما قارب مدخل المغارة، استل من فوره خنجره من غمده متقدما من أول من صادفه متسللا داخلا. - من؟!
ووصلت دهشته أقصى مداها حين ارتفع ساعده مشيرا محذرا صارخا: أنا عمرو ... أخوك ... يا حسان ... احذر!
اندفع منسلا خارجا باحثا عن حصانه ملقيا بجسده بكامله فوقه، مطلقا له أقصى عدوه نازلا عن ذلك الجبل المشئوم، بينما طرقات الدفوف العملاقة تحاصر سمعه، كمثل طبول رجروج أو طبول حرب همجية مستعرة.
ما إن أفاق حسان من تلك الزيارة - الكابوس - وأحداثها، تنفيذا لوصية أبيه التبع الراحل، حتى غمغم طاردا عنه تصوراته وهواجسه المرعبة السوداء. - لا، لا.
حتى اندفع داخلا عابرا ردهات قصره باتجاه غرفة نومه ملقيا بنفسه بكامل ملابسه ودروعه على فراشه محموما مغمغما: أقتل آخر من تبقى من إخوتي عمرو شقيقي، حدقة عيني؟!
تسللت إليه ابنته الوحيدة المقربة «تدمر» التي اعتاد استشارتها في كل صغيرة وكبيرة، فجذبها في حدة محتضنا إياها مسرا إليها بأحداث تلك الزيارة الموجعة التي نفذها بكل الدقة حسب وصية الوالد الراحل، إلى أن وصل بها إلى جد إقدامه - منذ هنيهة فقط - على قتل أخيه الوحيد الحبيب «عمرو». - لا، لا، لن أفعل وليذهب عرش حمير إلى الجحيم.
انفلتت ابنته «تدمر» من بين أحضانه وهي تخفي عينيها بأناملها العشر، كمن لدغ مانعة شرا جائعا. - عمرو، عمي، لا.
هبت من فورها مبتعدة، إلى أن استدارت سائلة والدها: هل كانت «السيدة» على علم بموعد قدومك إليها؟ - أبدا، لا أحد يعرف، حتى أنت يا تدمر، فأنا لم أخبر أحدا إطلاقا هذا النهار.
واجهت تدمر الجدار وهي تدقه بقبضتها في عصبية. - وما الذي أتى بعمرو تلك الساعة؟ - لا أعرف.
عم صمت ثقيل داخل المخدع.
وحين تناهى إليهما - حسان وابنته - سماع اقتراب أصوات خارجية وحفيف أقدام زوجته وجواريها، اندفعت تدمر من فورها خارجة مغلقة باب المخدع، مانعة الجميع، حتى أمها، من الاقتراب من غرفة الوالد التبع، وهو على تلك الحال؛ نهبا لهواجسه التي تطحن رأسه، صارخة في صرامة: أبي ليس مريضا ولا شيء من هذا، لكن حذار من الاقتراب الآن! ابعدوا جميعا.
عادت من فورها، إلى حيث أبيها المتوعك الذي من فوره مضى متقلبا على فراشة، كمن يعاني ألما معويا يمزق أحشاءه. - ابعدوا الآن.
اندفعت تدمر جارية باحثه عن طست وإبريق الاغتسال المصاغ من الذهب الإبريز، دافعة به تحت ذقنه وفمه لتلقي «القيء» الذي تزاحم في حلقه وفمه مسترجعا. - شربت من يدها، لا أعرف ماذا شربت من يد تلك السيدة المرعبة.
عاد الملك يتلوى من جديد معاودا القيء وكأنه يستخرج أحشاءه عن آخرها. - علقم!
جرت تدمر باحثة عن قطعة من الليمون ولما لم تجد. - ليمونة، ليمونة.
اندفعت متجهة إلى الباب المفضي إلى المطبخ الملحق بالمخدع، ومرة أخرى عادت تصرخ في وجه كل من حاول الاقتراب من غرفة أبيها: حذار، الليلة، أبي ليس مريضا، ابعدوا.