تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما إن تحرك منفلتا داخلا إلى أغوار ذلك الكهف الرطب، حتى طالعته صورته المنعكسة على جدرانه الحجرية المشطوفة التي صيغت من نادر الأحجار الملونة والنفيسة، ما بين المرمر الأملس كمثل مرايا عاكسة، واليشب والعقيق والسليماني والياقوت الشديد الاحمرار.

تبدى له وجهه وهيئته منطبعة عبر مئات المستنسخات، التي لم تكن أبدا تعكس حالته الآنية ، بل عبر آلاف مؤلفة من الانفعالات والتبديات التي لم يكن يعرفها أو يشهدها من قبل في نفسه. - غرائب!

وسريعا ما انفتحت تلك المغارة المتعرجة المسالك والدروب التي تغطت جدرانها بالرءوس البشرية الحقيقية المسمرة بالجدران، والتي لا يزال بعضها يقطر بما يشابه الدم الأحمر، كما لو أن حادث قتلهم قد وقع لتوه، غمغم حسان لنفسه؛ متسائلا: أسرى!

بل إن أصوات العواء والنحيب والتوسل، من داخل ردهات الكهف ذاته وصلت مسامعه، طاغية على أصوات الدفوف العملاقة الخارجية.

توقف ملتاعا مأخوذا، إلى أن جاءه صوت المرأة. - حسان؟! - أجل! - تأخرت طويلا!

اندفع داخلا لا يلوي على شيء، إلى أن وجد نفسه داخل بهو فسيح لا يحده البصر، أحالته ألسنة النيران العملاقة إلى نهار جلي واضح المعالم والتفاصيل.

وفي آخر المكان انتصبت المرأة كمثل عملاق وقد تناثرت جدائل شعرها العسجدي الضارب إلى الحمرة حتى ليكاد يغطي جسدها كله، واقفة على شبه درج يقود إلى عرشها الباهر الذي لا يقل كثيرا عن عروش التباعنة ذاتهم، بيدها مغرفة، ومن هنا وهناك تخالطت روائح الشواء مع البخور المعبق داخل المكان. - أقول تأخرت كثيرا.

نطق سائلا: تأخرت عن ماذا؟

أجابت بصرامة: عن حكم حمير.

قال: أنا الآن تبع حمير.

عاجلته نازلة عن صرحها في حزم: لن تحكم حمير إلا إذا سمعت كلامي ونفذته بكل دقة يا حسان بن أسعد.

وما إن اقتنصت عيناها الواسعتان عينيه في وقفته حتى اعترته رعدة هائلة من قمة الرأس حتى أخمص القدم. - تعال.

تقدم منها طائعا كمثل منوم، إلى أن توقف مطرقا وهي تسر إليه: تذكر جيدا أنه من هنا، من مغارة جبل ضهر «خرج سبعة فراعنة عظام حكموا نيل مصر وديارها.»

أصم العواء الطاغي الذي لم يكن يعرف له مصدرا أذنيه من جديد. - أحقا!؟

وحين قاربته المرأة أحس دفئا يشيع في جسده وأطرافه، وأحس بها مثيرة في فرائها الأحمر القاني محاطة بألسنة لهبها وطلاسمها. - اجلس.

أشارت إلى كرسي بديع التكوين جانبا، وهاله أن الكرسي يعج بمئات الثعابين والحيات المنتصبة على قوائمها، وقد انفتحت أفواهها وحلوقها، وتمددت ألسنتها، كمن تعاني جوعا هائلا منذ دهر. - اجلس.

تراجع مأخوذا من هول المفاجأة غير المتوقعة التي واجهته بها تلك المرأة الدموية اللغز. - أين؟ - هنا على كرسي التباعنة العظام.

استدار من جديد مبتعدا متحسسا مقبض سيفه، في ذات اللحظة التي خطت فيها المرأة جالسة بكل ثقلها على الكرسي نفسه وفوق رءوس الحيات الجائعة الزافرة، التي خف فحيحها مستحيلا إلى مثل خوار خافت. - اسمع جيدا ما أقول يا حسان بن أسعد.

جاءه صوت أبيه المحتضر محذرا بطريقة لم يعهدها من قبل فيه، وكانت تلك آخر كلماته. - في كل ما تقول لك سيدة الجبل، اسمع جيدا.

تساءل غير مصدق: ماذا يحدث؟

عم صمت طويل، بدا فيه وكأن المرأة - الكاهنة - تستعرض أمامه قدرتها المعجزة غير العادية في الجلوس على الكرسي المليء بالحيات أمامه وأكداس حليها الذهبية اللامعة، تضوي وتلمع كمثل جمر متقد على أسطح جسدها البرنزي القائم.

جيدها، ذراعاها، خلاخيلها.

بل إن ما ضاعف من اندهاش التبع حسان، هو استسلام تلك الحيات منتصبة الرقاب، فاغرة الأفواه لجلستها على هذا النحو المشع بكل جسارة وتحد. - ماذا يحدث؟

تساءل بينه وبين نفسه، في ذات اللحظة التي اعتدلت فيها المرأة على ذلك الكرسي - المرعب - الذي ادعت منذ هنيهة بأنه «كرسي التباعنة العظام»، وأنه ما من حاكم لحمير، توانى عن الجلوس عليه على ذات رءوس الثعابين والحيات. - اسمع جيدا لما أقول.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٨