عادت إليه بعصير الليمون وبعض الأعشاب فتناولها التبع شاربا، مكوما كل وسادات المخدع من فوق رأسه ووجهه الغارق في بحار العرق، لإيقاف الصداع والألم، وسرعان ما علا غطيطه وصراخه: لا.
ما إن أفاق الملك - التبع - الجديد حسان بن أسعد اليماني، من كابوسه ومرضه وما ألم به عقب زيارته المشئومة لمغارة سيدة جبل ضهر، تنفيذا لوصية والده الراحل، حتى مضى من فوره مستشيرا أصدقاءه ومقربيه وكل من يثق فيه من قريب أو بعيد بما أشارت به تلك المرأة الطاغية. - ماذا أفعل؟
هل أنفذ الوصية؟
أأقتل أخاي عمرو؟
أنفذ الوصية!
مستحيل، مستحيل، لن يحدث أبدا. - ماذا في أيدينا، لا مهرب، إنها الوصية. - الوصية ... أخي ... لحمي. - الوصية.
حينئذ استبد الجنون بالملك الذي أخذ منه الخوف والفزع كل مأخذ ليس فقط من الوصية والجلوس على رءوس الأفاعي الكاشفة عن أنيابها، بل من كل ما أصبح يحيط به، وما هو مقبل عليه، وتلك المهام الجسام، التي وجد نفسه فجأة مطالبا بها، منذ رحيل والده التبع أسعد عقب كارثة ضياع جيشه وتيهه في ربوع الصين. - أخي.
كان يمضي متفرسا في الوجوه المحيطة به، التي تدفع به دفعا، إلى حيث هوة الانتشاء بالدم، ودم من، آخر من تبقى من إخوته الخمسة، وبعد أن فقد إخوته الأربعة الذين التهمتهم الحرب المستعرة في أقاصي المعمورة.
هنا يحل الصمت بالجميع وكأنهم يتخلون عنه، لائذين بذلك الصمت المستسلم الكتوم المتآمر.
وحتى ابنته المقربة «تدمر» وعمته «البسوس» لاذتا كلتاهما بذات الصمت المطبق دون نطق أو محاولة مد يد العون لغريق يهذي وحده على مرأى من الجميع.
وكأن الأمر لا يعني أحدا غيره، وهو الذي ما زال ينزف ليل نهار باكيا افتقاد إخوته الأربعة.
وظل حسان هكذا أياما امتدت لشهور لا يذوق للنوم طعما، بل بدا هزيلا إزاء مهماته كتبع وريث لعرش التباعنة القساة القلوب والسواعد والأطماع.
هكذا بدا حسان في نظر نفسه وسيدة «جبل ضهر» التي لها على الدوام الكلمة العليا، على حد قول والده تبع أسعد، قبل أن توافيه منيته. - في كل ما تقول لك سيدة جبل ضهر، اسمع لقولها. - كيف ... أخي؟
وتعمد حسان عدم الالتقاء بأخيه عمرو، والتطلع في حدقتي عينيه كمثل مذنب أثيم، بعد أن صادفه للحظة على عتبات مغارة جبل ضهر، إلى أن حانت لحظة التقائه به حين تسلل إليه عمرو بنفسه عن طريق عمته البسوس التي لم يكن يرجئ لها مطلبا.
فتقدم منه عمرو متضرعا معاتبا في حنو؛ سائلا: لماذا تخفي نفسك عني، هل حدث مني ما يسيء يا أخي حسان؟
فما كان من حسان إلا أن انتفض واقفا معانقا شقيقه الأصغر، متحسسا بيده اليمنى مكمن خنجره.
متراجعا: حبيبي عمرو، أنت في عيني، أنت حدقة عيني.
بل إن حسان أثقل على عمرو بالرجاء في أن يتقدم ليأخذ مهام الملك الجديد بدلا منه.
عندئذ بكى عمرو على صدر أخيه الأكبر حسان أحر البكاء وأشقه، متصورا أن أخاه الأكبر إنما يفتقد ثقته ويتخيله طامعا في حكم حمير، وهو الذي يحفظ له كل تقدير وإعزاز مدى العمر.
وحاول حسان جاهدا إفهام أخيه ثقل ما هو فيه وما يجثم على كاهله، ولكن دون جدوى إلا أن «عمرو» بدا كمثل ضحية وديعة مستسلمة تأخذ طريقها إلى محرقتها صاغرة. - أنت أخي ... أخي.
وتعقد الموقف بين الشقيقين، وهو الموقف الذي كانت عمتهما «البسوس» تنتظر نتائجه بفارغ الصبر، من خلف خبائها داخل أستار قصرها الذي جرى فيه اللقاء بين الملك حسان وأخيه الأصغر. كانت البسوس مثلها مثل سالف التباعنة لا شيء يعنيها في ذلك العالم الواسع سوى الاستبداد وغاياته في حكم تلك القبائل المترامية على شواطئ الخليج العربي والجزيرة واليمنين.
وهكذا فشلت خطتها هذه المرة أيضا في استعجال وحسم أمر «تاج حمير» الذي لن يكتمل نصابه إلا عقب الالتزام بالوصية، مهما ثقلت المهام إلى حد إراقة الدم الواحد، وهي التي كان يروق لها أحيانا إشعال نيران المحارق في الأجساد من بهائم وطيور وبشر.