تملكته الأحزان العميقة، إلى درجة لم تسمح له بتذوق عذوبة نصره الأخير على الأحباش وملكهم سيف أرعد الذين عادوا مهزومين منسحبين لمجرد إشاعته - أي سيف اليزن - لنبأ غير صحيح، وهو أنه سيفاجئهم بين لحظة وأخرى بدخوله وجيشه إثيوبيا ذاتها.
وجرت مراسم دفن الملكة الأم قمرية في عجلة؛ نظرا إلى ظروف الحرب إلى جانب زوجها التبع الراحل ذو اليزن حسب وصيتها هي، أي قمرية. - ادفنوني عند موضع قدميه.
إلا أن تدفق الحياة بمرها وحلوها، سرعان ما أعاد البهجة إلى قلب التبع الشاب، حين وصلته مكاتبات زوجته الحبيبة شامة، وكان قد تخلى عنها - مجبرا - وهي حامل في شهرها الثالث لكي يخوض معارك «عاصمة التباعنة». - دمر ... بكري.
جاءته أخبار شامة مستبشرة ذات صباح مشرق تحمل إليه وضعها لمولدهما الأول. - دمر.
فقرر من فوره القيام بزيارة سرية خاطفة لملكة أفراح، لرؤية مولوده الجديد، وشامة التي اشتاق إليها سيف بن ذي يزن زوجته - ملكة أفراح - شامة، حين اندفع إليها منكبا مقبلا حاملا من فوره ابنه مستطلع شامة - أو حسنة - التباعنة التي تعلو جبينه وأسر إليها قائلا: مرحبا بالتبع المنتظر، دمر ولدي.
وضحكت شامة من شغاف قلبها وهي تنفض عنها أغطيتها، هاشة لاستقباله: حرب ... حرب، أما من لحظة راحة ... حب.
مضيا يتأملان الغلام الوليد في حب على ضوء الشموع العملاقة إلى أن أمسكت شامة بساعدي سيف وهي تهمس له بحنان؛ قائلة: كنت سأجيء، كنت أحلم بلحظة لقائي بوالدتنا الراحلة - قمرية - لكن. - أعرف، أعرف يا شامة يا حبيبتي.
واستقر سيف بن ذي يزن لفترة في بلاد زوجته شامة، معطيا بعض وقته لمولوده الجديد، الذي دفع دفئا متدفق الحماس فيه، وهو الذي تربى في ربوع ومنافي هذه البلاد يتيما معوزا.
إلا أن عين سيف اليزن لم تغفل لحظة عن عاصمة التباعنة «أحمرا» ولا عن ربوع اليمن والجزيرة والقرن الأفريقي وبعض بلدان المغرب الكبير وديار مصر - العليا - التي كانت موالية للعرب والبيت اليمني الحاكم آنذاك.
فكان دائم الترحال ما بين أفراح وأحمرا، بعدما تمكن من تأمين الطريق بين العاصمتين، فلم يعد بمقدور الأحباش قطع مسالكه وفرض نفوذهم كما كان في السابق.
بل ورغم ذلك لم يتوان سيف بن يزن عن استكمال توحيد فيالق وكتائب وأولوية جيشه الجديد خاصة بعدما وافت المنية أمه؛ تمهيدا للوثوب المباغت على إثيوبيا ذاتها. - وحتى يهدأ البال، باستئصال أصل الداء ومنبته، إثيوبيا.
وهو ما أصبح على يقين منه ملك الحبشة سيف أرعد ذاته، وبالتحديد عقب سماعه لموت قمرية، وتفرد ابنها سيف بالقرار، فضلا عن عامل اللائقة والمخاوف السائدة بينهما؛ أي بين سيف أرعد وسيف اليزن، فكيف للذئب إذن أن يصفو للغنم، وهو في نظر سيف أرعد. - الابن البكر لقمرية الأذية!
فلعل فرصة التبع الجديد سيف اليزن الآن أكثر اتساعا وبراحا من أي وقت وظرف مضيا.
غمغم سيف أرعد لنفسه وهو يراقب مياه البحر المتلاطمة في الأفق أمام عينيه الخائبتين. - لدخول تبع حمير إثيوبيا؛ ليقطع رأسي.
وكما لو أن ملك الأحباش يستشف مستقبلا جليا واضح الرؤية بقوله ذاك.
ذلك أن الطريق أصبح مفتوحا بالفعل أمام سيف بن ذي يزن لاقتحام عرش يهوذا، والانتقام من أرعد وريث ذلك العرش المعادي للعرب على الدوام.
ذلك أن وفدا من أهل مصر تصدرته أميرة مصرية باهرة الجمال تدعى «منية النفوس» زار التبع سيف بن ذي يزن، وهم يشتكون له من معاملة ملك الحبشة لهم وعدم الإنصات لمطلبهم في حصة ماء النيل الذي منعه عنهم سيف أرعد، تنكيلا وانتقاما منه لعدم مناصرته في حربه ضد التباعنة.
وكانوا قد لجئوا إلى سيف اليزن، لإنصافهم ومساندتهم، خاصة وقد عمت شهرته الآفاق حول معرفته الواسعة وتحكمه في مياه النيل ومجراه بدءا بمنابعه وحتى مصبه.