فما كان من سيف اليزن، إلا أن قطع على نفسه أمامهم عهدا بالقضاء على أصل الداء وتخليص الجميع من سيف أرعد وشروره، وإعادة المياه لهم ولجيرانهم السودانيين الذين كانوا قد جاءوه أيضا بخصوص هذا الشأن المحزن المؤلم الذي يستهدف نشر المجاعة والعطش. - حياة الناس.
وهكذا أعد سيف اليزن عدته وجيشه الموحد، وسار يطلب بلاد الحبشة إلى أن دخل إثيوبيا، وأسر سيف أرعد وعزله منصبا بدلا منه ابنه «مقلقل» الأصغر على عرش يهوذا.
وما إن استقر حكم التباعنة في الحبشة حتى عاد الملك سيف إلى أحمرا التي خرجت وفودها لاستقباله وقد زينت المدينة كمثل عروس تلهج بالثناء والدعاء له.
وشارك وفد مصر باحتفالات انتصار التبع سيف بن ذي يزن على سيف أرعد وأسره، كما شاركت «منية النفوس» الملك سيف حفلات نصره منبهرة إلى أقصى حد.
وكانت قد راقت في عينيه، فآثر الزواج - السياسي - منها، ليخلف منها ولده الذي سماه تيمنا «مصر». - فكانت أولى واجبات سيف بن ذي يزن، إعادة تدفق ماء النيل شريان أفريقيا آمنا حتى مصبه الأخير بمصر العدية، مما أوصل شعبيته وحب الناس له والتفافهم حوله وتحت راياته إلى أقصى مداه.
وهكذا دخل الملك سيف مصر زائرا بصحبة زوجته الأميرة المصرية «منية النفوس» وابنهما «مصر» فاستقبل استقبال الفاتحين، مما حدا به إلى الاستقرار بين ربوعها وبين أهاليها طويلا؛ فزار إخميم وأسوان - وسدها الكبير - كما زار إسنا وأسيوط ومنفلوط وملوي، وأقام طويلا بمدن مصر الوسطى، فزار أهناسيا المدينة، وحلوان والجيزة وقلعة الجبل والروضة وبولاق، وحتى القرى الصغيرة والحواري - مثل حارة الوطاويط - التي لم تخل من ذاكرته.
وزار بلاد الشام التي رحبت به بدورها فاتحة له ذراعيها فنصب ابنه «دمر» من زوجته الأولى - شامة - على حكم الشام وفلسطين، واتخذ دمر عاصمة حكمه بسورية العليا، في مدينة بانياس المتاخمة للاذقية.
وكان سيف بن ذي يزن، كأبيه محبا للعزلة، والانكباب على القراءة والعلم والكتابة، خاصة في مواضيع «الماء والتربة» وما يتبعهما من مشاريع عمرانية وزراعية من سدود ومصارف وخزانات هدفها الاخضرار والنمو.
كما كان الملك سيف كثير الأسفار والتنقلات التي يجريها في سرية؛ حيث كان يتنكر بأزياء الناس العاديين من فلاحين ونوتية وطلبة وعلماء وشعراء جوالين، وساسة الخيول العربية، وأطباء القرى وشيوخ القبائل والطهاة والمغربلين والمشعوذين؛ ليتعرف أحوال الناس.
وكان يتقن تقمص شخصيات هذه المهن عن دراية، بما يحقق له الوقوف على نبض الناس وقضاياهم ومشاكلهم، والإسهام فيما بعد في حلها عبر حكمه المتناهي على امتداد ربوع الجزيرة العربية والشام ومصر والسودان وعاصمة التباعنة أحمرا، والعديد من البلاد الأفريقية ، إن لم تكن أفريقيا بكاملها، عقب وضع يده على الحبشة، وما كان يتبعها من الأقوام والكيانات والقبائل.
إلا أن كل هذه المهام وغيرها كانت تدفع به على الدوام إلى تحسس الأخطار وأعمال العدوان المبيتة ضده، كتبع أو رمز عربي، يستهدف أول ما يستهدف. - العدل وخير الناس.
وكانت الأخطار تجيء هذه المرة من الأناضول وآسيا الصغرى ومسبوتاميا أو ما بين الرافدين، ومن بلاد الفرس.
لذا ادعى الملك سيف عقب استتبابه في حكم مصر والشام للمحيطين به أنه يعد العدة للعودة إلى اليمن وفلسطين: للبحث عن كنوز «الملك سليمان» وجدتنا «بلقيس ملكة سبأ».
حتى إذا ما انقطعت أخباره، في آسيا والهند وبلاد الفرس التي دخلها سرا لاستطلاع النوايا المبيتة ضد مصر والعرب، واصل غوصه في متاهات الحياة الشعبية لبسطاء الناس.
ومن فوره لم يتوان عن الإرسال برسله إلى ولديه «دمر» بالشام و«مصر» بديار مصر - الذي ولي حكم مصر في غيبته - آمرا إياهما بتجهيز حملة كبيرة طابعها الأعم «أن تكون بحرية»، وحين عاد إلى مصر التي كان قد اتخذ منها عاصمة لملكه المترامي، اصطحب جيشه ليحارب في الهند وبلاد الفرس. - إلى أن تمكن من قتل «الكسرى» الملقب «بصارخ البهلوان» مجهضا عدوانه المبيت ضد مصر والعرب من جانب الفرس وأكاسرتهم.