هنا رفض سيف بإصرار مصاحبتها وكان يترقب على أحر من الجمر ما في بطنها: دمر.
بل أصر على بقاء حاميتهم وبقايا فلول جيش أفراح، الذي كان سيف أرعد قد أتى على معظمه ولم يبق من قادته البواسل سوى «الميمون» وهو أمير أفريقي أثبت عبر منازلاته وحربه ضد الأحباش بطولات أصبحت توقع الرعب بين صفوفهم، وخاصة في قلب سيف أرعد ملكهم ذاته الذي كان قد اصطحب معه في حربه هذه ضد عاصمة التباعنة - أحمرا - قائدين كبيرين بفيالقهما المحاربة أولهما ويدعى «ميهوب» واشتهر بلقب «سياس الثلاثي»؛ ذلك لأنه كان يقطع رقاب ثلاثة من أعدائه بضربة واحدة من سيفه، والقائد الثاني ويدعى «دمنهور الوحشي».
لذا استعصى القتال طويلا على سيف بن ذي يزن، واستمر حصار المدينة مطولا؛ مما أفزع والدته قمرية، وأخرجها عن طورها مرارا، مواصلة تنازلاتها لسيف أرعد والأحباش؛ مما دفع بسيف بن ذي يزن إلى المبادرة بمكاتبتها مطالبا إياها مراعاته ومراعاة تواجده - تحت راياتها - وعدم التسرع في اتخاذ قراراتها. - المفردة المتسرعة.
أما شامة فقد أزعجها بدورها ما انتهى إليه سير المعارك وضراوتها في أحمرا، فأرسلت إليه بقائدها «الميمون» وفيالقه.
فما كان من سيف بن ذي يزن سوى التشدد في مواجهة الأحباش وتحدي أبطالها منشدا:
أخوض بحر المنايا وهو معتكر
وأرمي قلوب العدا بالرعب والجزع
أعشق في الشتا سوق المنايا
كذلك في الربيع وفي الصيافي
ألا فأخبروا عني الملوك لأنني
إذا ازدحموا في الحرب يوم هياجها
فاثبت اليوم يا أمير لحربي
إن تكن جاهلا بضرب سهام.
وهكذا تحدى سيف بن ذي يزن القائد حلفاء الأحباش «سياس الثلاثي» ونازله بضعة أيام متتالية إلى أن أضعف ساعده، وبدلا من أن يقطع رأسه حين تمكن منه، أبقى عليه وأخذه أسيرا بفيالقه.
مما ضاعف من مخاوف الأحباش وملكهم أرعد فتشددوا عليه من كل جانب بينما هو - أي سيف - يواصل تحديه قائلا بأعلى صوت وهو يصول ويجول من فوق رءوس الجبال: من عرفني فقد اكتفى ، إلى أن سنحت له فرصة منازلة كبير قواد جيش الأحباش «دمنهور الوحشي» وفعل به كما فعل بالسابق، حين استحوذ عليه - وجنده - أسيرا بدلا من سفك دمه.
ثم كر سيف بن ذي يزن عائدا منتصرا إلى أقوامه مجللا ومخضبا بالنصر، كمثل أرجوان أحمر قان.
بينما جن جنون سيف أرعد ووزيره الشرير سقرديون، وهما يشهدان سير المعارك من حول أحمرا، ومدى ما أصبح يحرزه ذلك التبع الجديد من إضعاف لصفوفهم باستحواذه على حلفائهم - أي حلفاء الأحباش - حتى بدا الأمر أقرب إلى انفراط عقاله.
وهنا لم يجد ملك الأحباش سيف أرعد مخرجا سوى التراجع بجنوده منسحبا باتجاه الحبشة؛ تخوفا من أحابيل سيف اليزن المباغتة بالالتفاف من خلفه وسبقه بجيوشه إلى إثيوبيا.
إلا أن سيف بن ذي يزن بوغت بالأخبار التي حملها إليه تابعه «عيروض» عن ذلك المرض العضال الذي حط فجأة على كاهل أمه - قمرية - وألزمها الفراش طيلة الشهور الأخيرة التي شهدت معاركه الطاحنة، والذي آثر الجميع وعلى رأسهم الملكة ذاتها إخفاءه عنه.
ومن فوره هرع سيف بن ذي يزن فزعا متسللا سرا لزيارة أمه.
حتى إذا ما قارب فراشها منحنيا لاثما جبينها هاله ما وصلت إليه حالتها من تدهور شديد.
فتحت عينيها في تثاقل محتضنة رأس ابنها مغمغمة: سيف ... ولدي، لم أفرح بك لحظة منذ مولدك.
كل أم ... هيكل.
اندفع هو منكبا لاثما وجهها وراحة يديها في تلهف. - أمي الحبيبة، سندخل إثيوبيا جنبا إلى جنب قريبا، لتعتلي أنت عرشها.
ابتسمت في وهن، وأسبلت عينيها كطفلة، وغابت في سباتها العميق لاقطة آخر أنفاسها على أصداء ذلك الحلم. - متى ... ولدي سيف هيكل؟!
الفصل السابع والعشرون
| موت قمرية
حطت الأحزان الثقيلة على سيف بن ذي يزن عقب موت أمه - قمرية - الذي جاءه نبؤها صادما مفاجئا، وهو الذي لم تمكنه الأحداث والمعارك والعمليات العدائية - الحبشية - المتوالية بلا رحمة أو توقف من النشوء والعيش في أحضانها واكتساب حنانها ومعرفتها عن قرب.