تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أشارت من فورها إلى الخارج عبر كوات السراديب المحكمة التحصين؛ قائلة بتوتر: انظر جهنم.

وهالها في التو ما يحدث، فلول الأحباش وهي تلقي أسلحتها فارة ومذعورة إثر قياداتها التي كانت تولي الأدبار بدورها عبر الأفق البعيد، لتنجو بجلدها - الأسود - وقبل أي شيء من مجرد مقدم سيف بن ذي يزن ورجاله.

وشاع خبر وصوله مع رجاله على أفواه ومسامع الجميع في تواتر جاء إيقاعه بمختلف اللغات واللهجات والنبرات. - التبع المنتظر ... سيف. - تبع حمير الجديد العائد ... هيكل ... سيف.

وفرحت شامة واحمرت وجنتاها في براءة، وتزاحم الجميع على الشرفات التي انتزعت «ستائرها وكل ساتر» لمشاهدة ذلك المشهد، الذي تذكر سيف أنه تكرر مرة أمام عيني أمه قمرية، ومع ذلك لم تهبه ثقتها بعد. - الملكة لا تعرفني؛ أمي، من حبلت بي!

غمغم سيف بن ذي يزن لنفسه غائبا عن نفسه ذاتها، وهو يشارك شامة وبقية حاميتها ما يحدث من ذعر وشتات لجيش الأحباش على طول البراري ومتعرجات السهول الممتدة على مدى النظر، وهي تنهب بأقدامها العارية الأرض نهبا صارخة في فزع جماعي: التبع المائي.

ضاحكته شامة فرحة وهي تراقبه من تحت أهدابها متنفسة أخيرا الصعداء: نأخذ نفسنا لحظة الليلة! - أحقا يا شامة؟ اعذريني يا حبيبتي، فلعل فيما سمعته الكفاية.

وكان يعني بهذا خلافه مع والدته، إلا أن شامة أخرجته من هواجسه جاذبة: ليس هناك أعذب من هذا.

اندفعت مشيرة بكل ذراعها المغطى بالدروع المصاغة من الذهب الإبريزي القاني الاحمرار: النصر. - رد العدوان ... الظلم.

ولعل مساء ذلك اليوم المتأخر شهد حبهما نهايته السعيدة. - الحرية.

وفي تلك الليلة حملت شامة من سيف بن ذي يزن، بالوريث الجديد لعرش التباعنة الذي لقب فيما بعد باسم أجداده السالفين. - دمر؛ أي المدمر لأعدائه، ومؤنث الاسم هو «تدمر» وهي الملكة تدمر السابقة على بلقيس ملكة سبأ.

ولم يسترح سيف بن ذي يزن في أحضان ودفء زوجته المحبة - شامة - طويلا، فسرعان ما استجمع طاقات محاربيه، باتجاه سد الطرق والمنافذ على جيش الأحباش وقبل أن تستطلع فلولهم إثيوبيا عائدة مندحرة.

إلا أن سيف أرعد وجدها - باستشارة وزيره سقرديون - فرصة سانحة للعودة باتجاه عاصمة التباعنة ذاتها «أحمرا» خاصة وسيف اليزن بعيد عنها، والملكة قمرية والدته قد أصبحت في سنواتها الأخيرة منهكة إثر الحروب وأعمال الحصار التي نفذها سيف أرعد بها.

حتى إذا ما نفذ ملك الأحباش غايته، وأوقع الحصار والخسائر بأحمرا مضرما نيرانه في مدنها ومضاربها وقراها جن جنون الملكة فخرجت لملاقاته متعثرة، بعدما شق عليها الاستنجاد بابنها - هيكل - خاصة بعدما تخلت عنه في المرة السابقة، بحجة أن الأحباش الذين «سعوا وحفوا وراء عقد الهدنة طويلا لن يخرقوها بسهولة هذه المرة.»

لكنها ندمت بعد فوات الأوان، وبعدما استباحت جيوش الأحباش المدينة بخدعة هدفها مباغتة المملكة وتدميرها حرقا وغرقا وحربا من كل صوب وفي آن واحد.

ورغم صمود قمرية بعدما أعماها الغضب وأخرجها عن كل طور إلا أنها عانت الكثير في حصارها المباغت ذاك.

ووصل بها الغضب والرغبة الدامية في الانتقام إلى حد تحمل أقسى الويلات فوق كاهلها دون أن تجرؤ على الإرسال برسلها طالبة العون والمساندة من ابنها فلذة كبدها. - لن يحدث، لن أنحني.

إلا أن سيف بن ذي يزن لم يطق صبرا عندما علم وتيقن بما حدث، فاستجمع قواته مقررا التخلي عن شامة التي تحولت بهجتها إلى أسى وحرارة لافتقاد سيف زوجها من جديد، من يدري ما تخبئه الأيام والليالي الحبلى بكل عنف وانتقام بسبب ويلات عدوان الأحباش وحلفائهم التي لا تعرف مراعاة لهدنة أو اتفاق.

لذا قررت شامة مصاحبته بجهودها رغم أنها كانت تعاني من آلام الحمل الثقيلة التي آثرت إخفاءها عن زوجها.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٨١