وهنا تدخل الأمير الوريث «حسان» حائلا في حزم من وصول الجموع الثائرة التي امتلأت بها ساحات القصر إلى مطمورة ذلك الدليل الآسيوي لتصب عليه نقمتها دون رحمة؛ صارخا بها: ارجعوا، حذار.
فما فائدة الانتقام؟ بعدما نفذ المكتوب وأصبح الملك التبع جثة مسجاة ستوارى الثرى بعد لحظات.
بل إن الأمير حسان عاد مذكرا الجموع المتزاحمة الغاضبة بمدى ما لحق بذلك الدليل الآسيوي سلفا من عقاب، مشيرا إلى إقدام والده الراحل على جز لسانه في إحدى نوبات غضبه منه، صارخا: يكفي الآن ما هو فيه، أما الآن فهو ضيف حمير، أتسمعون!
الفصل الثاني
| وصية كاهنة الجبل
اتخذ الملك التبع الجديد حسان وجهته ذات مساء إلى جبل «ضهر» مكدودا نهبا لخواطره المتضاربة، كانت أضواء المصابيح والشموع المشعلة تضيء سفوح الجبل العملاق، الذي تغطت متعرجاته وسفوحه وتضاريسه بالمضارب والخيام، يؤمها أتباع تلك السيدة - سيدة الجبل - من مرضى ومجاذيب ومعلولين.
وكانت جوقات الغناء الجماعي ذات المسحة الدينية الشعائرية تعلو من هنا ومن هناك، وهم يستخدمون في غنائهم وإنشادهم إيقاعات الدفوف الطاغية المثيرة لكل المشاعر الجسدية؛ حيث تتمايل عليها الجموع ميمنة وميسرة في غياب كامل عن كل وعي، وهي الجموع من سكان ذلك الجبل، من فقراء وأتباع ومعلولين ومشعوذين ودراويش ومرضى.
وما إن واجه حسان الجبل، حتى توقف بحصانه، لا يعرف أي المسالك يسلك، وأخفى من فوره وجهه بشاله مبعدا ملامحه عن العيون المستطلعة وأطلق العنان لحصانه راكضا من حول الجبل المائج بالحركة والغناء والحياة.
استوقفته في بعض الأماكن أصوات ذلك البكاء والعويل على أبيه التبع الراحل مشيرين إلى فرسه الحمراء:
كأنك «يا حمرا» بتصيري
تحت رياح الندابات
غاب اللي يعرف مقدارك
يملأ لك لحد عبارك
وإن خست من القمح يزيدك.
وما إن تلمس طريقه المؤدي إلى حيث مغارة تلك السيدة المنتشية بالدم، حتى مضى من فوره صاعدا لا يلوي على شيء، إلى أن توقف مستطلعا ودخل المغارة الموحشة الحجرية، المحاطة بالتماثيل الرخامية والمرمرية العملاقة، كمثل معبد شاهق.
ترجل عن حصانه، وتقدم منه على الفور من اقتاد الحصان إلى طاولته وربطه مقدما له الطعام في صمت وقور.
واستغرق التبع حسان طويلا في تأمل تلك المنحوتات التي صيغت من نفيس الأحجار الصلدة نصف الكريمة، لمعبودات وثنية ورموز وأشخاص، تعرف فيها على جدوده التباعنة اليمنيين الذين حكموا طويلا تلك البقاع، تعرف على «شداد بن عاد الكبير» وعلى «يشجب بن يعرب بن قحطان»، وعلى الكثير من تماثيل والده التبع أسعد بالذات.
ودمعت عيناه حين شاهد منحوتات إخوته الأربعة الذين أودت بحياتهم تلك الحرب الأخيرة المشئومة في ربوع الصين والشرق الأقصى، فكان موتهم السبب الرئيسي فيما حل بأبيه من أحزان ثقيلة عاتية، أنزلت ببصره وجسده السقوم، خاصة حين كان يجيء برءوسهم - المحنطة - المحفوظة، على أوعيتها الذهبية، ويتأملهم في حسرة نادما باكيا، الليلة بعد الأخرى، حتى إذا نام تحاصره الأحلام والكوابيس دون مهرب، واشتدت عليه أحزانه وأسقامه حتى أودت بحياته قبل الأوان.
وتهاوى حسان جالسا، وهو يرقب منزلق ذلك الجبل الهائل الذي تبدت له نيرانه المشتعلة على طول سفوحه وأخاديده كجمر هائل متقد. - يا لها من ليلة ... جحيم!
غمغم لنفسه مكتئبا آخذا رأسه بين ساعديه الاثنتين في حيرة: الجحيم بعينه؛ حكم حمير.
وكان قرع الدفوف العملاقة وأنين الرباب يصم أذنيه الاثنتين، وبدا المكان موحشا إلى حد دفع به دفعا إلى تحسس حسامه وخنجره، تأهبا للدخول. - تلك المرأة اللغز!
طالعته من جديد منحوتات إخوته الفرسان الأربعة الذين التهمتهم نيران الحرب الأخيرة المسعورة الواحد عقب الآخر، كمثل عقد منفرط. - الرحمة!