حتى إذا ما وقع الاختيار على «شامة»، واستعدت مدن الحبشة وأفراح وتوابعهما لذلك الاحتفال - الشعائري - الذي كان يجري حدوثه في وقت واحد من كل عام، في كل موقع وكيان يواصل نهر النيل عبرهما جريانه كالحبشة وأوغندا والسودان وبلاد النوبة ومصر.
وتجمعت الجماهير من كل صوب احتفالا بعيد ذلك العام، متجهة مشرئبة صاعدة إلى تلك القلعة المهجورة فوق أعلى جبال المدينة التي ازدانت بالزينات والأعلام وفرق الموسيقى والطرب والألعاب الشعبية ونحر الذبائح.
ووصلت مع الغروب كوكبة من فرسان الملك سيف أرعد مدججة بالسلاح، يعقبها وفد الكهنة والمنجمين إلى قصر ملك أفراح، وهم يسوقون إليه - بشارتهم - بوقوع اختيار «القرعة» ثلاث مرات متتالية على أميرة البلاد الجميلة. - صاحبة الصون، أفراح.
هنا سقط الوالد من طوله مغشيا عليه، بينما صعدت كتيبة الجند لا تلوي على شيء، إلى حيث جناح «شامة» فأحاطوا بها من كل جانب وهي تقاوم وتبصق في وجوههم. - ابعدوا يا قتلة، يا لصوص الظلام والخرافة.
وعم الصمت جماهير المدينة عن آخرهم وهم يشهدون مشدوهين كيفية أسر أميرتهم، وهم يصعدون بها الجبل الشاهق المشرف على النهر، إلى أن اختفوا بها وهي صارخة مقاومة: قتلة ... لصوص ... عصابات.
حتى إذا ما ألقوا بها مقيدة عند قدمي ابن ملك الحبشة سيف أرعد العاشق لها، والذي سبق لها رفضه، خلع من فوره قناعه - هائل الحجم - عن وجهه ضاحكا من أعماقه مقهقها: شامة ... حبي!
هنا هوت ذراع ضاربة على أعلى عنقه، ففصلت رأسه عن ذلك الجسد «الخرافي» المتهتك.
الفصل الثالث والعشرون
| سيف أرعد يصرخ: ولدي جثة بلا رأس
لم تكن اليد التي هوت فجأة على عنق - مقلقل - ابن ملك الأحباش سيف أرعد بحسامها، لحظة احتضانه «لعروس النيل» - شامة - التي وقع عليها الاختيار سوى يد سيف بن ذي يزن الضاربة. - شامة ... هس.
استدارت شامة في أقصى فزعها مما حدث فجأة وبشكل خاطف، في اللحظة ذاتها التي رفع فيها سيف قناعه عن وجهه ملقيا به، ثم جذبها إليه، وانسلا خارجين عبر ردهات ومسالك وأطلال تلك القلعة المهجورة الخلفية مسرعين لا يلويان على شيء.
بينما دوت أصوات الغناء والموسيقى والاحتفالات الماجنة - السنوية أو الموسمية - بعروس النيل عالية صاخبة من حولهما تصم الآذان.
نزعت العروس شامة غطاء رأسها الحريري الملون على شكل تاج هائل الحجم الذي أعاقها عن الحركة والجري بأقصى سرعة، مسلمة ذراعها لسيف، وهما يقفزان ويدوران حول السراديب المظلمة باحثين عن منفذ للإفلات عبره.
إلى أن اعترضتهما فجأة شلة من حرس ابن ملك الأحباش - مقلقل - وعندما أحاطت بهما كتيبة الجند من كل جانب، دون دراية أو إدراك منهم لما حدث، أعمل سيف اليزن حسامه في رقابهم الواحد بعد الآخر، ملقيا ببعضهم من فوق أسوار القلعة الخربة.
حتى إذا ما انتهى سيف بن ذي يزن منهم وكانوا قرابة سبعة جنود، مدججين بالسيوف والحراب، أعاد من جديد اجتذاب حبيبته - شامة - من يدها مواصلين عدوهما، باتجاه السراديب الخلفية للقلعة التي كان سيف قد درس مسالكها المتعددة، بهدف تضليل كتيبة الجند الرابضة فوق أبراج الحصن الواقعة في أعلى أسوارها.
إلا أنه توقف مستديرا مسرعا حيث اعترضته كتيبة أخرى من الجند محيطة بهما هذه المرة من كل جانب مشددة حصارها، فواصل قتاله لهم الواحد بعد الآخر، إلى أن تمكن بحسامه من ثلاثة منهم، وفر الباقون عدوا عبر البراري والهول.
وسرعان ما اختطفت شامة بدورها خنجر سيف من غمده، وكلما قاربها أحدهم محاولا إعادة اختطافها، أردته بخنجرها صريعا.
وما إن نزلا الدرجات الحجرية للقلعة، حتى توقف سيف من فوره مستخرجا رقعة صغيرة من الجلد متأملا في لهفة، بينما شامة تمسح عنه عرقه وجبينه بأناملها الحانية وهي تشرئب ببصرها إليه دون صوت، حتى أعاد جذبها من معصمها. - من هنا، يمينا يمينا، هيا أسرعي.