تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما إن انسلا خارجين من سرداب القلعة الموصل إلى أسوارها الجنوبية حتى تنفس سيف اليزن بعمق وهو يواصل عدوه إلى حيث تقف كوكبة من جنده وحراسه بعيدا بانتظارهما، وسريعا ما ألقوا إليهما بحبل ساعدهما على تسلق أسوار القلعة الجنوبية، في نفس اللحظة ذاتها التي وصل إلى أسماعهما جلبة صادرة عن مجموعة أخرى من حراس ابن ملك الأحباش - القتيل - وبأيديهم المشاعل الضخمة والسيوف اللامعة المشهرة، وهم يحاولون اللحاق بهما دائرين من فوق أسطح القلعة للإمساك بهما. - ها هم، يمينا، يمينا.

لحظتها كان سيف اليزن قد أنزل شامة التي ألقت بنفسها بين أحضانه، وامتطى الجميع ظهور خيولهم، وغابوا عدوا وسط أشجار الغابات الكثيفة العملاقة، إلى أن شارفوا مرفأ «جانبيا» على النيل، قادهما الحراس إليه، فنزل سيف اليزن عن حصانه، متجها إلى شامة فحملها بين ذراعيه، إلى أن دلفا إلى مركب صغير مختبئ بين الأحراش بينما واصل حرسه الركض باتجاه حرس ابن ملك الأحباش لإعاقتهم عن اللحاق بهما.

ودارت معركة حامية بين الجانبين حيث التحما وسط الغابات والأحراش، أعطت المزيد من الوقت الكافي لتحرك مركبتهما - سيف وشامة - وسط مياه النيل الفضية إلى أن اختفيا في الأفق البعيد. - أخيرا، عبرنا النيل العظيم يا شامة.

امتطيا ظهري جوادين عربيين كانا بانتظارهما بصحبة مجموعة أخرى من الحرس، وتسلقا بضع تلال باتجاه إحدى القرى، وسيف اليزن ما يزال يداعبها بقوله: أتقبلينني خطيبا بدلا منه؟

تساءلت بصوت عال: من؟ - النيل!

ضحكا طويلا وهما يواصلان عدوهما في مرح أبدل من تعبهما وما بذلاه من جهد خارق للإفلات من تلك المكيدة التي كادت أن تودي بحياة شامة هذه الليلة. - عروس النيل، أم عروس ذلك «الفحل» الأبله - مقلقل - ابن أرعد؟

قالت: النيل أرحم!

وضاحكها سيف وهما يتوقفان في الخلاء الفسيح المحيط بهما لحظة كافية «لتغيير ريقهما» بتناول التمر واللبن قائلا: هل يمكن تصور ما حدث يا شامة؟

واصل: أن ننجح معا في تخليص ربوع هذه البلاد من وريث سيف أرعد.

ألقت برأسها بين أحضانه مسبلة عينيها كمن تحلم طويلا. - متى نخلص من أرعد ذاته؟ متى؟

واستبدت بها المخاوف من ذلك المصير المظلم الذي سينتظر والدها الشيخ من انتقامات ملك الأحباش لمصرع ولده ووريثه، مقلقل ذلك «الفحل» المتهتك.

وطمأنها سيف بن ذي يزن قائلا بأنه قد وضع لكل شيء حسابه، والمهم الآن هو أمنهما هما معا من ذلك الجنون الذي سيستبد بالأحباش وملكهم، على طول أفريقيا مشرقا ومغربا. - المهم هو مواصلة الطريق، حتى المرفأ الآمن، المهم هو اليقظة، هيا. - واصلا عدوهما من جديد، باتجاه مدينة ضخمة غاصة بالأضواء والفرح، تسد الأفق البعيد، إلى أن وصلاها مع الغسق، فدوت الأبواق معلنة قدومهما وانفتحت البوابات، على اتساعها واحتوتهما وفي أعقابهما جوقة الحرس داخلة، حتى إذا ما أصبح سيف بن ذي يزن وسط أفسح ساحاتها، شهر من فوره رأس ابن سيف أرعد. - رأس مقلقل.

هنا دوت المدينة بالفرح والتكبير والدعاء والهتافات للملك التبع المنتصر من كل جانب. - سيف اليزن، سيف اليزن!

أما ملك الحبشة سيف أرعد، فقد غابت الدنيا على اتساعها أمام عينيه، حين حملت إليه الأخبار مصرع ابنه ووريثه داخل تلك القلعة الحصينة التي جرى فيها احتفال هذا العام بعروس النيل. - بأيدي خارج أثيم، مجهول.

صرخ سيف أرعد من أعماقه، وهو يدق عمدان قصره: مجهول! أتقولون مجهول؟

اتجه من فوره كالمخبول ممسكا بخناق وزيره المرتعد، كمن يحاول إزهاق روحه عن جسده. - وأنت أيضا يا سقرديون اللعين، أتقول مجهول؟

أردف سقرديون شاحب الوجه: بل معلوم، معلوم، لا أحد سواه!

ألقى به الملك على أريكة جانبية في أقصى حالات هياجه، وهو يدق كفا بكف قائلا: أجل معلوم، إنه التبع الجديد سيف بن ذي يزن يا سقرديون، وليس غيره.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٧٢