تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووصل بها الغضب إلى حد إعلانها الانضمام إلى سيف ورجاله عيانا جهارا؛ إذ لم يكف والدها عن مطالبتها بالرضوخ والزواج الأقرب إلى الأسر من ابن ملك الأحباش، مما قد يدفع بها أيضا إلى حرق نفسها. - فسياط النيران ستكون أكثر رحمة على بدني وروحي من ذلك الزوج المدلل الفاجر.

وإزاء هذا التهديد الذي يعرفه الأب عن ابنته - شامة - كما يعرف قدرتها على تنفيذه، لم يملك سوى التراجع، وإبلاغ سقرديون برفضها.

ولما كانت شامة مدركة لأبعاد ومخاطر رفضها لمثل هذا الزواج، ومدى ما سيجلبه تعنتها هذا من أحداث انتقامية بشعة ستحط بكاملها على كاهل والدها المثقل، بل المدينة جميعها عن بكرة أبيها، فقد حطت عليها الأحزان الثقيلة السوداء، وهي التي تنتظر دون طائل أو حتى بصيص أمل الزواج يوما بمن يهفو إليه قلبها، منذ أن تفتحت عيناها عليه. - سيف اليزن.

إلا أن عين سيف بن ذي يزن، لم تغفل يوما عن إحاطة شامة بكل حماية ورعاية.

فلم تنقطع عنها رسله ورسائله إليها، يخبرها بمكامنه ومخابئه المتغيرة الجديدة أولا بأول، وبحنينه الجارف إليها: «فمن أجل عينيك يا شامة، أحارب الشر.»

مجددا على الدوام عهده لها بالزواج منها قائلا: «عقب خلاصنا من أرعد وعدوانه معا.»

وكانت شامة في وحدتها الجديدة التي فرضتها على نفسها، تحلم طويلا باليوم الذي يحقق فيه حبيبها - سيف - انتصاره على ذلك الكابوس الشرير الظالم سيف أرعد، لكي يصبح لحبهما مكان في هذا العالم الواسع. «فكيف لأزهار الحب ووروده أن تنبت وتينع في مستنقع سيف أرعد وإذلاله وظلمه.»

تساءلت ممددة على فراشها تعاني آلامها وحسرتها مما يحدث ويجري: حقا، كيف لأي نبت أن يزهر مع ناشر الجوع والعطش ذاك؟ إلا أن «شامة» سرعان ما كانت تعاود تفاؤلها واستبشارها، كلما وصلتها أخبار الانتصارات المتواترة التي أصبح يحرزها سيف بن ذي يزن ضد سيف أرعد ووزيره العجوز المتآمر سقرديون.

وكانت تشارك جماهير مدينتها السرية من أرعد ورعونته وجنونه الذي يصل به إلى حد ضرب وزيره «بالنعال»، كلما تفوق عليه سيف ورجاله من داخل حدود الحبشة ذاتها، وهو ما أحاله إلى معجزة ومنارة أمل أصبح ينشدها الجميع في كل مكان وموطن.

فكانت شامة تراسله ناقلة إليه مدى حب واستبشار الناس - بسيف وأتباعه - رافعة من معنوياته مشددة من ساعده الضارب، متشوقة لرؤياه.

هنا كان يبعث إليها سيف، بكتيبة من رجاله، تنقلها إليه إلى أقرب مخابئه من مدينة أفراح، ليلتقي بها مسرعا، فيمضيان معا، لحظات خاطفة تعود هي بعدها منشدة لنفسها: «يا مظني الشوق أنا قلبي صبح عن الدم آدي سنه حول، وأنا اللي عيشتي على الدم، جاني طبيبي وسمعني الكلام ع الدم وإن أذن الله، طابت مني أنا الجروح حا ألبس ثياب الهنا تشع منه الروح، وإن جا عزولي أقوللو: من هنا قوم روح فتحت لجروح وكانت كاتمة ع الدم.»

وتنشد لنفسها:

حبيت جميل زين وسبوني العوازل فيه وكتروا من الفتن لجل أتركه وأنفيه

وكيف أنا أتركه وأنفيه وأنا عقلي وروحي فيه.

شيع حبيبي وقال لي:

أنا عبدك وسيد غيرك

عينك على الكرم إذا خطروا العوازل فيه

وتغني وكما لو كانت في لوعتها تبعد عنها حسادها والعزول

يجازيك «يا لايم» عليه في الغرام يجازيك

إياك تلومني فيه

دا الحب له نار والعة

في المهجة وشاعلة فيه

يا زارع السنط هيا ودادي فيه

دا السنط كله منافع

أما الأرد نرميه

والمركب اللي انخرق

إياك تعدي فيه.

إلا أن عين سقرديون المشعة بالشر دوما لم تغفل عن تدبير الانتقام الدامي من ملك أفراح وابنته شامة، التي سبق أن تجاسرت على رفض ابن الملك أرعد ووريثه في اعتلاء عرش «ليوث يهوذا».

فتوعد ابن الملك بتحقيق آماله من شامة، فقط حين يحين موعد أعياد: «وفاء النيل.»

حتى إذا ما حان أوان موسم العيد، أوعز لمساعديه وكهنته بإيقاع «قرعتهم» لهذا العام على أميرة أفراح «شامة» مردفا: وهي رغبة الملك سيف أرعد، كما تعلمون، قبل أن تكون رغبتي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٧٠