تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما كان منه إلا أن حل وثاق صديقه وأسيره الملك الآسيوي مقطوع اللسان وأكرم وفادته هو وأهل بيته. - أنت الآن ضيفي، أيها الصديق.

وما إن انتهت مراسم توزيع الغنائم وأسلاب الحرب الطويلة المضنية على رءوس القبائل والعشائر والكيانات المشاركة التي أشرفت عليها الأميرة «البسوس» أخت التبع المريض، حتى تفاقمت حالة الملك الصحية.

حتى إذا ما أدرك هو بدوره - أي التبع - مدى اقتراب منيته، استدعى ابنه الأكبر حسان، ومضى يتطلع في وجهه طويلا مسرا إليه في ضعف بوصيته الأخيرة قائلا: اذهب إلى جبل «ضهر» بالقرب من صنعاء وأطرق باب سيدة الجبل بكهف «بنور»، وأبلغها باقتراب منيتي وموتي.

تنهد التبع طويلا في إعياء، وهو يجاهد في إطلاع ابنه الأكبر حسان اليماني على وصيته الأخيرة، وكان قد اصطفاه ليخلفه على عرش التباعنة - ملوك اليمن العظام - من بعده: لا تخبر أحدا بما تسمعه أذناك مني، قبل أن تجتمع بسيدة جبل ضهر.

أشار مهددا بطرف إصبعه: وفي كل ما تقوله لك، اسمع لقولها.

بدا وجه الملك التبع الوالد أسعد، لابنه حسان واهنا متحسرا كئيبا تحت أنوار الشموع والقناديل.

ظهر له كمن يندب حاله وانقضاء أجله وهو يتمتم لنفسه: كل شيء احتلنا عليه، إلا الموت غلبنا.

وحين حاول حسان الاقتراب أكثر لإراحة رأس أبيه، اعترضه الأب مشيرا عليه بلهجة التأكيد: اسمع لقولها.

وهو يعني بذلك سيدة جبل «ضهر».

أومأ حسان لوالده منسحبا، مستديرا باتجاه باب القاعة، لتقع عيناه على شقيقه الأصغر «عمرو» الذي بدا مأخوذا مكفهرا من هول احتضار الوالد التبع.

توقف حسان في مواجهته كمن يستطلع تعبيرات وجهه قائلا لنفسه: «أتراه كان يسمع متلصصا ما جرى بيني وبين أبينا.»

وحين حاول عمرو الإفلات من نظراته والدخول مستطلعا حالة أبيه، اعترضه حسان مستديرا مشيرا إلى غطيطه الذي ارتفع شخيره قائلا له: دعه ينام.

وهنا اندفع الأمير حسان كالتائه الغائب عن وعيه، من هول تلك اللحظة التي كأنها دهر بحاله، والتي أنصت فيها إلى وصية والده «التبع المتجبر» متجولا وحده داخل ردهات القصر الشاهقة، مبعدا عنه كل من حاول الاقتراب منه مستفسرا عن حالة الملك من أمراء وشيوخ قبائل ومستشارين.

كان كل ما يشغل بال حسان ويستولى على كل فكره وخلجاته، تلك المهام الجسام التي ستلقى على كتفيه والتي تتهاوى تحت ثقلها هامات أعلى الجبال قبل الرجال، وهي أن ينام الليل ويصحو، آخذا مكان أبيه في قيادة تلك الجموع المتنافرة، من قبائل وأقوام، وأن يقتل ويغتال في وضح النهار دون أدنى رحمة.

تساءل: كيف؟

وهو الذي حاول جاهدا طويلا الابتعاد عن شهوة الحكم والتسلط، منشغلا بقراءاته وأسفاره البعيدة، لكن دون طائل.

أعاد مسترجعا كلمات أبيه، وذلك الوجه القبيح الكئيب، لسيدة جبل ضهر، كيف له أن يسلم أمره أو قياده لامرأة متوحشة قاسية الملامح، تقبع داخل كهفها أو جحرها كمثل حية رقطاء، «تتغذى بمخ البشر»، كما يقولون.

وكيف له أن يتقبل وصاياها ونصائحها. - كارثة.

وقبل أن يفيق حسان من طلاسم أفكاره كانت الأصوات النائحة قد ارتفعت من كل جنبات القصر تندب موت والده التبع أسعد.

وعلى الفور دوى قرع الطبول العملاقة من خارج القصر وأعلى سفوح الجبال المحيطة معلنة موت الملك التبع أسعد، وكان صدى دوي الطبول يتردد في كل مكان كالهدير.

وسرى الخبر كالنار في الهشيم من مدينة إلى أخرى، ومن مضارب قبيلة إلى ما يجاورها، فارتفعت أصوات النساء النائحات وعقدت اللقاءات بين شيوخ القبائل وأمرائها، وارتفعت أصوات المنشدين بالأشعار الجنائزية التي تتحدث عن مآثر التبع الراحل وطموحاته وفتوحاته التي لم تفت في عضدها سوى الخيانة التي تعرض لها من ذلك الدليل الآسيوي، بل لقد وصل الحماس والحنق ببعض الأمراء وشيوخ القبائل، إلى حد المطالبة بإحضار ذلك الدليل الآسيوي - مقطوع اللسان - والانتقام منه علنا وعلى رءوس الأشهاد. - اقتلوه، اقتلوه!

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٦