تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نهضت في تراخ طويل، لا تدري ما بها إلى أن تتمالك نفسها فخطت مسرعة إلى حيث جناح الملك، وقبل أن تجرؤ على فتح باب المخدع الغربي، تصفحت الوجوه المحيطة من حولها مستطلعة. - ما الخبر؟

وتقدمت قمرية في صمت ثقيل من الفراش في محاولة لعدم إيقاظ ذو اليزن من سباته وغفوته.

وما إن امتدت يدها في حرص كاشفة الغطاء عن وجه الملك التبع ذو اليزن، ومالت عليه لاثمة متحسسة أنفاسه حتى استدارت باحثة عن الوزير يثرب، الذي سرعان ما قاربها بدوره مذهولا ممتقع الوجه: نائم؟

وما إن كشفا من جديد الغطاء معا عن وجه الملك المستكين الهادئ الصافي الملامح، حتى صرخت قمرية: مات! مات ... ذو اليزن!

الفصل العشرون

| ذو اليزن التبع المحتضر

أصبح الموقف عسيرا مربكا على «قمرية» والوزير «يثرب» داخل مخدع الملك التبع ذي اليزن بعدما وافته المنية ولفظ آخر أنفاسه في غيبتها، لرد عدوان ملك الأحباش سيف أرعد.

إذ بينما اشتعلت مدينة - أحمرا - حماسا وتكبيرا وهتافا محيطة بقصر الملك الحصين من كل الجوانب مغلقة ساحاته ومنافذه تمجيدا للملك التبع العائد المنتصر في ذلك الوقت، كان الملك - الحقيقي - قد فارق الحياة.

وما إن امتدت يد قمرية متنكرة تحت عدة حربه ودروعه ولحيته، لتمازحه معيدة الابتسامة الصافية إلى وجهه المسجى السمح، حاكية له من فورها ما أقدمت عليه خلال فترة غيابها عنه، وقاربته لاثمة حتى اكتشفت من فورها انقطاع أنفاسه ومفارقته الحياة، فما كان منها إلا أن شقت ثيابها صارخة: مات!

ولم يتمالك الوزير الحكيم يثرب نفسه سوى الارتماء عليها وكتم أنفاسها، بينما تكبير الجماهير وهتافاتهم تصم كل الآذان مدوية من كل جهة استبشارا بالنصر الذي حققه مليكهم الرحيم المنتصر المعافى.

بل إن الوزير أسرع من فوره مشيرا لأقرب الجواري بالإسراع بإغلاق كل الشرفات والمنافذ والأبواب، خشية تسرب كارثة موت التبع ذو اليزن دون أن تغفل عيناه عن قمرية التي أخرجتها فاجعة زوجها وحبيبها عن كل طور، فمضت ناشبة أظافرها في كل ما صادفها، وجهها المجهد، شعرها، دروعها التي هي دروع الملك ذاته ولحيته، هنا صرخ يثرب في حذر: الناس ... مشاعر الناس.

فالوزير الحكيم هو الأقدر على معرفة مشاعر الجموع التي أسكرها النصر الساحق على ذلك الملك الحبشي - أرعد - المعتدي المتحين لكل ثغرة ضعف تلحق بالعرب.

إلا أن قمرية التي تقمصت وأدت بمهارة دور الملك، دافعة بأعدائه الطامعين إلى الدمار المحقق، لم تع من فورها تصرف الوزير يثرب واندفعت كالمخبولة لا تبقي على شيء وهي تحتضن الجثمان المسجى الذي أغرقته بدموعها لاهثة مشيرة إلى بطنها. - ألم تعدني بالانتظار إلى أن ترى وليدنا؟ ها هو يتحرك في أحشائي، ضع يدك، ها هو سيف، وحيدك، اليتيم!

وكلما ارتفع صوتها، حاول الوزير إعادة تعقيلها وتبصيرها مشيرا إلى دوي تكبير الجماهير وجنونها بالنصر. - المهم أحزان قمرية وثورتها دفعت بها إلى إزاحة الوزير العجوز يثرب، إلى حد إسقاطه أرضا، فجلس مكانه منتحبا باكيا. - هكذا.

قاربته قمرية ملتاعة، وهي تسقط إلى جانبه نادبة، فما كان منه سوى احتضانها في أبوة مهدئا مستوضحا: ليس هذا أوانه، أنا أكثر منك معرفة بهم، وهذا تصرفك أنت بملابسك ولحية التبع هذه ، هذه، تحسست قمرية وجهها، كمن أفاقت فجأة من غفوتها، وما إن حل الصمت، حتى صمت آذانها الهتافات المدوية العاتية التي ترددت أصداؤها في أرجاء المدينة الواسعة. - أتسمعين يا ابنتي؟! - أسمع.

نطقت بتخاذل وهي تسند نفسها محاولة الوقوف، واضعة وجهها بكامله بين راحتيها: أهكذا تمضي بنا الحياة؟! حتى أحزاني علي أن أقتلها بداخلي!

أردف يثرب: حفاظا على الملك، حبيبك ... ذكراه ... الآن ... الآن فقط، مجرد ساعات لا غير ... ساعات معدودة اسمعيني ... لا غير.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٦٣