كانت وهي لا تزال تقطع الطريق عائدة إلى أحمرا نهبا للعديد من الأحاسيس والهواجس العاصفة التي تعتمل دون هوادة في مخيلتها.
وكانت كلما بالغت أكثر في الإسراع، تضاعفت مخاوف الوزير «يثرب» على جنينها، فما من شيء سيضاعف من مرض وآلام التبع ذو اليزن، سوى سماعه بفقدانها وليدها وهو يعاني على فراشه أقرب إلى المحتضر منه إلى المريض.
أما قمرية، فلم تكن على أقل وعي ودراية بذلك الانتصار الساحق الذي أحدثته على جيش الأحباش، لتأمين حدود عاصمة التباعنة، ودرء كل الأخطار عن الملك المسجى الذي صرعه ذلك الداء العضال الذي ألم به وهو لم يتخط بعد مرحلة شبابه ونضوج عطائه. - ذلك الطحلب المتسلق الشرير، أرعد.
تساءلت وهي مشرفة على تخوم «أحمرا»: الغريب أن ذو اليزن لم يتحرك حتى لمجرد الانتقام منها عقب اكتشافه لمؤامرة اغتياله، حين اتخذ منها - سيف أرعد - مجرد أداة ومخلب نمر لتنفيذ أطماعه وأحقاده السوداء.
بصقت معاينه وهي تطلق العنان لحصانها الشهباء. - لا مكان يقف فيه ذلك الأرعد الخسيس، سوى العتمة والتآمر.
مضت تتوعده: لكن سيجيء يومه القريب، إن لم يكن من ذو اليزن، فمني أنا، أجل يا أرعد سيجيء يومك.
مضت رغم معاناتها الثقيلة، تقطع الروابي والسهول والجبال، عابرة الأنهار، مقتحمة أعتى الغابات التي لم تطرقها قبل قدم، لاختصار طريق العودة إلى حيث الملك المريض مطلقة من جانب آخر العنان لأفكارها وأمانيها في كسر شوكة سيف أرعد المشهرة على الدوام ضد العرب والعجم على السواء.
فلكم تمنت أن تمكنها الأيام منه لتشرب من دمه. - هل سيجيء هذا اليوم يا أرعد؟
وكانت خطتها تتركز في قطع الطريق على جيوشه وأذرعه الطويلة التي توصلت اليوم إلى صعيد مصر العدية والسودان والمغرب الكبير والقرن الأفريقي وكل أواسط أفريقية، في غيبة عن ذي اليزن بسبب كارثة مرضه الأخيرة التي استغلها أرعد حتى العظم.
ووصل بقمرية الفرح مداه، حين توقفت لتتجرع رشفة لبن وبضع ثمرات، فأحست بمولودها يتحرك في أحشائها. - سيف، ولدي!
وتصورت من فورها فرح التبع حين يصغي لها وهي تسرد عليه تفاصيل ما حدث، حتى إذا ما سألها عن وحيده، أجابت: ها هو قوي معافى مثلك، ويمكن لك أن تسمعه بأذنيك، اسمع، اسمع.
وما إن قاربها يثرب، حتى حادثته من فورها بهذا الخاطر، وكيف أن جنينها الذي أكمل شهره السادس اليوم، لا يزال حيا معافى في بطنها، غمغم الوزير هاتفا في فرح: هيكل.
ضحكت من أعماقها: سيف.
وما إن أشرفا على مدينة - أحمرا - مع الغروب حتى فتحت المدينة عن آخرها أبوابها النحاسية، ووصلهما هتاف وتكبير الآلاف المؤلفة، عاليا يصم الآذان تمجيدا لاستقبال «الملك» الفاتح المنتصر وعودته مظفرا.
وما إن جاست خيولهما عابرة أبواب النصر المزدانة بالورود والرياحين، والجماهير على الجانبين تجثو إلى حيث يخطو «الملك» المنتصر، حتى تحسست «قمرية» لحيتها معتدلة على ظهر الشهباء، متخذة هيئة ذو اليزن تحت دروعه وخوذته، تحيط بها أعلامه وبيارقه المسدلة، بينما العيون المبتهجة المهللة بالنصر والظفر لا تصدق ما تشهده وهي تدعو للملك التبع ذي اليزن، بطول العمر والنصر أبد الدهر.
واندفعت هي - متنكرة - محيية الجميع من كل جانب وصوب باتجاه القصر الحصين، وقد أدار النصر رأسها.
حتى إذا ما شارفت ساحات القصر ذاته، تعمدت أن تكمل دورها في اتخاذها هيئة الملك ذي اليزن، عابرة الساحات الجانبية والمداخل الخلفية للقصر، مدعية للجميع إرهاقها وحاجتها إلى الراحة، مستعينة بإشارات اليد بدلا من النطق والكلام، إلى أن انفلتت مسرعة داخلة من سراديب القصر الخفية، متجهة من فورها بكامل هيئتها وتنكرها صوب جناح مخدعها، وما إن انفتح باب المخدع، حتى توقفت في إعياء، مستندة على أحد الأعمدة المرمرية، ثم جثت على ركبتيها وهي تخفي ما بها، مرجعة ما تناولته من طعام، ولحقت بها جواريها في محاولة لمساعدتها. - ذو اليزن، حبي.