تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هنا أسلمت قمرية مقاليدها للوزير يثرب وجلست على فراش الملك آخذة رأسه مهدهدة بين ساعديها، تندب ما بها بلا صوت.

ثم هبت فجأة فخلعت عنها دروعها وتاج الملك ولحيته متخففة، وتمددت إلى جواره، تنعيه في إعياء واضح.

بينما اتجه الوزير يثرب منسلا، إلى الشرفة البحرية، لمواجهة الجموع والأقوام المطالبة برؤية الملك، فناشدهم الهدوء نظرا لمرض الملك التبع، الذي خلد من فوره للنوم، نظرا إلى مرضه. - كما تعلمون جميعكم، فمن أحب ذو اليزن دعا له بالشفاء، ولزم الهدوء.

ومرت بضعة أيام ثقيلة على قمرية، ارتدت فيها ثياب الحداد، ولزمت جثمان التبع لا تفارقه نادبة في همس، إلى أن تسرب خبر موت التبع ذو اليزن إلى أقرب مقربيه، في تكتم وفق في الإبقاء عليه الوزير، يثرب، حتى لا يتسرب الخبر إلى الأحباش وملكهم الطامع.

إلى أن حان موعد دفن الجثمان سرا بمقابر التباعنة، حسب وصية ذو اليزن ذاته الذي ركز فيها على أن تعتلي قمرية العرش مكانه في حكم حمير وتوابعها، لحين تسلم «ما في بطنها مقاليد الحكم.»

ويبدو أن أخبار ما حدث لم تغب هذه المرة عن أذن الوزير المعادي للعرب سقرديون، فحانت فرصة استرداد مكانته - المهتزة - داخل بلاط «سيف أرعد» الذي وجدها بدوره فرصة سانحة، للانتقام والتخلص من «قمرية الأذية» وما في أحشائها، خاصة وقد أشار عليه كهنته ومقربوه بضرورة قتل التبع المنتظر - سيف - منذ المهد وقبل أن يستفحل خطوه ضد بلاد الأحباش وتوابعها.

وذلك حين أنشده الشعراء والمتنبئون:

ومولود يأتيك يملك أرضهم

ويبقى على جميع البرية حاكما

في عصره تخرب مدينة أحمرا

وأسوارها تدمى جميعا وتهدما.

وظل الملك أرعد فترة طويلة مرتعدا لا يعرف كيف يتصرف، فربما كان ما يسمعه مجرد خدعة تالية من جانب تلك الأذية قمرية، للقضاء على ما تبقى من جيشه وملكه، كما حدث في السابق.

ومن هنا استقر رأي سيف أرعد، على أهمية التروي قبل اتخاذ قرار متعجل بالحرب ودون أن تغفل عيناه على رصد ما يجري ويحتدم داخل عاصمة التبع - أحمرا - عبر عيونه وبصاصيه المنبثين في كل مكان.

حتى إذا ما أجمعت الأخبار والمعلومات من كل صوب على حقيقة موت التبع ذو اليزن ودفنه، وانفراد قمرية بوراثة ملكه المترامي الأطراف لحين وضعها لابنه ووريثه، غمغم لنفسه: هي بعينها النبوءة.

إلا أنه عاد من جديد يندب حظه العاثر، بتبديده لمعظم جيشه وقواته، خلال تلك المهمة التي اضطلعت بها، بنجاح فاق كل توقع، قمرية عن طريق خدعتها الدامية حين تنكرت متخذة هيئته ودروعه وسيفه، وحتى لحيته الكهرمانية اللون، وانقضت كمثل نمر على قواته مطاردة، إلى أن أفنتهم عن آخرهم، وأشرفت وهي على ظهر الشهباء التي لا تخطئها عين، وهي فرس ذو اليزن على أسوار إثيوبيا، فخلعت أبوابها بحرابها إلى حد دفعه هو - سيف أرعد - إلى الهرب بقواته الخاصة، بعدما رسخت في أذهان الجميع أن. - التبع اليمني لم يمت، وها هو يتحدى الجميع.

ومن هنا تزايدت مكانة وزيره المقرب «سقرديون» بعدما علم بتفاصيل الخدعة، إلى حد دفع بالملك إلى الاعتذار له علنا، بعدما رد إليه الاعتبار وأصبح لا يسمع سواه. - والآن ماذا ترى يا سقرديون الحكيم؟ - أرى أن فرصتنا الذهبية قد حان أوان قطافها اليوم قبل غد، تساءل الملك: وجيشنا على هذا الوضع من الضعف والتشتت. - لم لا نسترجع كتائبنا من أعالي النيل والنوبة والمغرب الكبير ولو إلى حين؟

هب الملك أرعد عن عرشه خائفا مفكرا: نتخلى إذن عن حكم هذه البقع، ونستسلم لثوراتها المؤيدة للعرب.

واجه الوزير سقرديون الملك في ثبات: هدفنا الآن هو قتل أو اغتيال أو اختطاف قمرية وإجهاض التبع مهما كلف الأمر .

اندفع سقرديون يواصل الطواف حول الملك وهو يصب الكلام في أذنيه، بعدما استسلم له كفريسة مستكينة هذه المرة. - قمرية الآن حامل في شهورها الأخيرة، ومن هنا فهي أضعف مخلوق يمكن تصوره، هي أضعف من فراشة.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٦٤