تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمضوا يمطرون جيش الأحباش الفارين المذعورين من أعلى قمم سفوح الجبال المحيطة دون رحمة، فلم يفلت منهم سوى القلة التي عادت بالخبر والهزيمة المروعة إلى عاصمة سيف أرعد «إثيوبيا» معلنة خداع الملك - أرعد - وافتراءه بادعائه موت التبع، وها هو الملك التبع يواصل بجيشه الباسل تقدمه إلى هنا. - التبع اليمني لم يمت، ها هو على ظهر الشهباء بعدما قتل وأسر معظم جيش الحبشة.

كانت الأميرة «قمرية» تحارب بضراوة فائقة مواصلة تقدمها مسرعة إلى أقصى حد، ذلك أنها كانت نهبا للعديد من التوجسات العنيفة والمخاوف، سواء منها ما يتصل بصحة الملك ذي اليزن الطريح الفراش، أو ما يتصل بحملها وما في أحشائها منه، أو ما يتصل باتخاذها لقرار مصيري مثل قرار الحرب دون استشارته، ثم مدى ما سيحدثه مثل هذا القرار، حين يسمع به - ذو اليزن - فجأة ويعلم باختفائها عنه بضعة أيام قد تصل إلى أسابيع، دون مراعاة لآلام حملها وما يمكن أن يشكله هذا فعلا من أخطار تتصل بوحيده الذي ينتظره ببالغ الصبر ونفاده. - هيكل، سيف.

لذا، ما إن قاربت الانتهاء من مهمتها، إلى حد إجهادها، ثم انتصارها واقتحامها بجيشها حدود الحبشة وتوابعها ذاتها، حتى تملكها الإعياء الشديد. - لنضع حدا للعدوان المبيت علينا من سيف أرعد الجبان.

إلا أن الوزير «يثرب» آثر الاكتفاء هذه المرة بما تحقق من انتصار، تخوفا مما هي عليه من حمل، وقبل أن تودي الحرب وعنفوانها بما في بطنها، وتخوفا بالطبع على حياة التبع المريض المتردية. - ففي هذا الكفاية للأحباش وملكهم.

وكان حقا ما نطق به الوزير «يثرب»، ذلك أن سيف أرعد ما إن وصلته الأخبار بعدم صحة موت التبع ذو اليزن، وخروجه لإفناء جيشه وضراوة المعارك التي قاربت حدود بلاده ذاتها، حتى تولاه الجنون، فمضى يصرخ من أعماقه، لوزيره سقرديون وبقية وزرائه ومستشاريه وحلفائه على طول غرب وجنوب أفريقيا، غير مصدق ما يحدث ويجري ويقع من هزائم واندحارات.

وكالعادة صب سيف أرعد، حمم غضبه وسبابه على رأس وزيره - الشرير - سقرديون ومشورته. - الحقوا، مات التبع اليمني، يا للأكاذيب!

أعاد صراخه وثورته في وجه سقرديون: ها هو التبع اليمني يدق الأبواب أبوابنا ذاتها، مخادعنا، إثيوبيا يا سقرديون!

واجهه محتدا: على هذا النحو يصل خداعك حتى لي أنا، كأنك إنما تود إفناء جيشي وتودي بعرش آبائي وأجدادي ذاتهم المنحدرين من صلب يهوذا.

واصل تحديه على مرأى من الجميع. - اخرج إليه، اخرج لمواجهته يا سقرديون العجوز، اخرج إذن لملاقاة ذو اليزن، اخرج!

ومن جانبه حاول الوزير العاقل - الحجازي المولد - المدعو «أبو الريف»، التدخل لتهدئة ثائرة الملك «سيف أرعد» قائلا: من المفيد في مثل هذه المواقف العسيرة ضبط النفس، والأكثر إفادة هو الاستفادة من أخطائنا؛ فالكذب لا قوام له.

وناشد وزير الميمنة «أبو الريف» الملك وجميع حلفائه التروي وضبط النفس، بدلا من الافتراء والكذب والعدوان.

ثم مضى فطمأن الجميع بعودة الجيش العربي إلى العاصمة - أحمرا - بحسب ما تلقاه من تقارير رجاله الأخيرة.

ولم يكن الوزير أبو الريف كاذبا فيما ادعاه ودفع به إلى «سيف أرعد» في محاولة لإعادة الاطمئنان إلى الجميع.

ذلك أن قمرية آثرت العودة مسرعة ما أمكنها إلى أحمرا، بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه سواء بالنسبة إلى ملازمتها لزوجها ذو اليزن المريض، أو حفاظا على ما في أحشائها منه.

لذا جدت السير ما أمكنها بصحبة الوزير يثرب وكوكبة من أخلص الحراس مسرعين متلهفين عبر طريق العودة للاطمئنان على صحة التبع وما حدث له في غيبتهم خلال الأسابيع الأخيرة، التي استغرقتها هذه الحملة التأديبية، التي لم يكن هناك من مهرب من القيام بها.

ولكم ودت «قمرية» من أعماق قلبها مواصلة التقدم وملاحقة انتصارها لاقتحام بلاد الأحباش ذاتها وعاصمتها والتخلص من ذلك الطور الشرير - سيف أرعد - الذي لم تكن تحمل له يوما سوى الكره، ولكم ودت أيضا من قلبها أن تذيقه هو ذاته سمها الزعاف، بدلا من الملك ذو اليزن الذي أسرها أسرا لا فلات منه منذ لحظة لقائهما به.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٦١