واندفعت قمرية مغلقة باب قاعة مخدع الملك التبع، متجهة من فورها إلى حيث يقف يثرب وكبار رجالات البلاط والأمراء، ورهط هائل من رسل البلدان والأقوام التابعة والحكماء وشيوخ القبائل والعشائر، وقد حط على رءوسهم الطير جميعهم بانتظار ردها.
استخرجت المكتوب المطوي من بين طيات ملابسها مشيرة له في أقصى كمدها وحيرتها. - لم أقدر. - وما العمل؟
قاربها يثرب: لن ينقذ الملك وينقذنا جميعا سوى التحدي.
اختلى بها باتجاه الشرفات الجنوبية للقصر، القلعة، مشيرا مهددا. - من هنا يمكن أن تشهدي بعينيك ما نحن فيه: بيارق الأحباش.
زفرت في أقصى حنقها وتمزقها: ذلك الخسيس أرعد.
رفعت ذراعيها عاليا صارخة في أقصى حالات غيظها: ذلك المتسلق، الطحلب.
تمالكت قمرية نفسها وهي تكبت آلامها مشيرة باستقبال الرسل، وتلقي جديد معلوماتهم، وكيف أن جيوش ملك الأحباش «سيف أرعد» لا تكتفي بمحاصرة مدينة «أحمرا» بل إن طلائعها وصلت أعالي النيل متوغلة في ربوع السودان وبلاد النوبة إلى أن شارفت مصر العليا.
وتزاحم الرسل حولها بالتقارير وجديد المعلومات عن توغلهم في المغرب الكبير ونزولهم «تلمسان»، بعدما أشاعوا فيما بينهم خبر موت الملك ذو اليزن.
صرخت من أعماقها: يا للغدر الدنيء، الملك التبع معافى وفي أحسن حال.
وفي الغد سيمتطي ظهر - الشهباء - ويغيبهم عن هذه الأرض.
كانت تعرف أنها إنما تكذب بادعائها هذا، فما كان منها إلا أن انسلت لا تلوي على شيء، وفي أعقابها الوزير يثرب، إلى أن وصلت جناحها نازعة عنها ملابسها، مرتدية عدة حرب ذي اليزن وهيئته بل ولحيته ودروعه متمثلة مشيته، منسلة من جديد إلى حيث مخدعه، فانتزعت سيفه المعلق، خارجة على الجموع المنذهلة التي جثت داعية للملك التبع.
ومن فورها أشارت بدق طبول الحرب «الرجروج» واستعد الجميع للخروج من خلفها، بعد أن سرى خبر شفاء التبع وحلول المعجزة واستعد الجيش للخروج من - خلفه - لملاقاة عدوان الأحباش وملكهم سيف أرعد الجبار المعتدي.
الفصل التاسع عشر
| قمرية تأخذ مكان ذو اليزن
ظهرت شجاعة الأميرة «قمرية» في تلك الحملة الانتقامية الضارية التي قادتها فجأة ودون سابق إعداد أو حتى مجرد التفكير في عواقبها، وذلك حين شاهدت بعينها مدى الخسة أو العدوان الأسود الذي استحال إليه ملك الأحباش «سيف أرعد»، حين سنحت فرصته بالانتقام مستغلا ما حط على الملك التبع ذو اليزن من مرض ألزمه فراشه.
فما كان من ذلك «الأرعد»، إلا المبادرة بالشر والعدوان، إلى رفع راياته وبيارقه وإشهار سهامه في محاولة لإطباق الحصار على عاصمة التباعنة «أحمرا».
هنا لم يكن أمام قمرية سوى ارتداء عدة حرب ذو اليزن ووضع تاجه ودروعه وشاراته، وحمل حسامه، بعدما اتخذت كامل هيئته متنكرة وخروجها بالجيش لرد العدوان - الحبشي - وما يمثله من خطر محدق.
وحالف الحظ في مكيدتها الانتقامية تلك، ذلك أن عيون وبصاصي سيف أرعد، ما إن وقعت أبصارهم عليها على ذلك النحو، حتى تراجعوا من فورهم مندحرين، فارين بجلدهم مشيعين عبر كل مدينة ووطن وكيان، كيف أن التبع اليمني: لم يمت، وهو يتقدم فيالق جيشه محاربا وعلى رأسه تاج التباعنة.
وسرعان ما سرى الخبر متواترا من كل مدينة إلى ما يتاخمها بأسرع من سريان النار في الهشيم. - الملك التبع معافى يعتلي صهوة جواده، الشهباء، ويتقدم جيشه فاتحا محاربا.
وساد الذعر والفزع أول ما ساد فيالق وكتائب جيش الأحباش، فركضت فلولهم تسابق الرياح عائدة باتجاه إثيوبيا.
إلا أن «قمرية» واصلت زحفها موقعة الرعب والموت والدمار بهم، حتى إذا ما تراجعت جيوش الأحباش عابرة النيل، واصلت تعقبها لها على طول غاباته وجباله المشرفة، مستخدمة فرق النشابة التي كان يوليها الملك ذو اليزن رعايته الخاصة، بل وكثيرا ما أوصاها هي ذاتها بهم. - النشابة هم درعي الحامي.