صحيح أنها كانت تلجأ في مثل هذه الحالات إلى منجدها، وهو الوزير الأول يثرب، ولكن أين لها بقرارات تتصل بالحرب والسلم وعقد المعاهدات وتسيير الجيوش وشق الطرق والسدود في شمال الهند، وأندونسيا والتركستان ومصر والمغرب الكبير ووادي الرافدين وحضرموت ويثرب ودمشق؟
أين هي من كل هذا لتحكم وتنهى، وهي التي جاءته يوما تحت أستارها وأقنعتها محملة بسمومها المعجلة ساعية للقتل والاغتيال.
إلى أن تحقق حدث «قمرية» وحل وهن المرض بالملك ذو اليزن، فلم يمهله طويلا؛ إذ ألزمه فراشه لا يبرحه.
وجاء توقيته متوافقا وكأنه على موعد مع تحرك ابنه - كجنين - في أحشاء أمه قمرية، وكم كانت فرحته الكبرى وهو معلول ذابل الوجه على فراشه، حين قاربته زوجته، وهي تسعى إليه على ركبتها وهو راقد على فراشه آخذة يده الحنونة الرحيمة لاثمة قبل أن تضعها على بطنها. - ماذا يا قمرية؟ - ابنك. - أحقا ما تقولين؟ - هيكل، سيف، ها هو يلهو معاتبا ويود لو يلثم جبهتك الأبية.
علت وجهه ابتسامة واهنة وهو يعاني من آلامه المبرحة مجاهدا على نفسه لتقبل لحظة فرح. - ابني، ليتني فقط يمتد بي العمر إلى أن أراه، آه سيف، وحيدي!
أغمض عينيه مستسلما في أحلامه قبل أن يأخذه النوم العميق.
بعدها لم تعرف قمرية كيف تتصرف، وهي تشهد بعينيها انزواء الملك واكفهراره تحت ثقل علته العاتية التي حيرت جميع حكماء ومطببي الأرض.
استقدموا له حكماء مصر والشام واليمن والهند، الذين تزاحموا على قصره من كل صوب، ولكن لا من دواء شاف.
وظل ذو اليزن تائها عبر غيبوبة مرضه العضال الأيام والشهور الثقيلة لا يسأل عن شيء إلا عن ابنه المنتظر. - لن أموت قبل أن تكتحل عيناي برؤيته بين أحضانك يا قمرية.
وهذا الجواب لم يكن يسعف قمرية أو يروي أحزانها فكانت تلجأ للدموع: ها هو يضحك لك من أعماقي.
ابتسم الملك في وهن. - سيف، سيف، متى؟
اكفهرت قمرية وغاب عنها لونها، وهي تشهد الملك الذي أحبته من أعماق أعماق قلبها يعاني آلامه المبرحة على هذا النحو، خاصة بعدما سمعته يتعجل رؤية وحيده على هذا الشكل الملح. - متى؟
قاربته محتضنة في انفعال، وهي تمسح عنه بكف يدها الحانية، خيوط عرقه النازف على وجهه وجبهته العالية المشرئبة في سمو، قائلة وهي تضاحكه مخفية عنه آلامها ومعاناتها مما سمعته وأصبحت لا تقدر على الإفصاح عنه. - أتقول متى، تراهنني على أنك ستشفى حالا من آلامك العابرة هذه، وفي عزك ومجدك سيتربى سيف وينمو.
غمغم ذو اليزن بفروسيته المعهودة متقبلا تحديها له: أجل، أراهنك بعرشي كله. - أنا لا أبغي عرشا ولا مجدا في هذا العالم سوى أن أنمو إلى جانبك مجرد نبتة، ويمكن القول زهرة برية في أحضان سنديانة، أرزة تعادي الفناء. - الفناء، الفناء.
تساءل معاودا تحسس بطنها وذلك النابض في أحشائها: ومن قدر له قبل الإفلات من قبضتيه الفناء الدهر، ذلك الغول الختور الذي يلتهم الرجال.
عندئذ استدارت عنه قمرية برأسها متجهة إلى حيث مدخل القاعة الشرقية، وحيث كان يقف منكمشا الوزير «يثرب» ومن خلفه كوكبة من الأمراء والسفراء والرسل الذين كانوا في انتظارها على أحر من الجمر.
واصلت تحسس جبهته، وتحسست بيدها الأخرى تلك الرسالة المطوية بين طيات ملابسها، كمثل حية. - الجميع بانتظارك من كل صوب.
أغلق الملك عينيه مشيحا، لا يعرف له جوابا.
عندئذ حاولت قمرية استجماع شجاعتها وما عرف عنها من إقدام لتفضي إليه بمحصلة تلك الأنباء الخطيرة التي حملها الرسل.
لا منقذ لشعبك ورعيتك سواك. - أنا، كيف ... على هذا النحو ... آه ... ليتني بقادر يا قمرية.
وحين أسلم جفنيه للنعاس انسلت قمرية في نعومة مبتعدة عن الفراش. - نام.
أرخت من فورها ستائر الشرفات، وأشارت بيدها دون صوت إلى جوقات الموسيقيين والمنشدين، الذين يتغنون بمآثر الملك في تنسيق رتيب أصبح في أيامه الأخيرة لا يخلو من الحزن الذي تحول إلى إيقاعات المراثي والبكائيات، فأخفتوا من فورهم من غنائهم الجماعي وإنشادهم، حتى تلاشت أصواتهم تماما.