فكثيرا ما كان التبع أسعد يمضي يشاركه طعامه وشرابه وحدهما داخل قاعة عرشه، كما كانا سابقا، وقبل افتضاح أمره، طارحا عليه كل ما يعن له من أمور حقيقية؛ سائلا: ما رأي صديقي؟
متلقيا إيماءاته من داخل سجنه وأصفاده متلمسا بنفسه صحة أقواله أو إيماءاته مدركا خسيسها من أصيلها، وله طبعا القرار الأخير.
فحتى الخرائط ومسار المعارك ومعالم الطرق والمسالك والبلدان، كان يدفع بها إليه، طالبا مشورته وإشارته. - لعلني أصبحت أعرفك أكثر فأكثر عن طريق اكفهرارك قبل لسانك أيها الصديق الوفي الأخرس.
ويبدو أن كل ذلك، لم يكف غليل التبع أسعد، وهو الذي أخلص له، منذ أن جاءه مخلوعا ذليلا ينزف كمدا مما فعله به ملوك الصين، فكان أن احتضنه ورد إليه ملكه وكامل سلطاته وممتلكاته وبلاده، وقربه منه السنوات الطوال قبل أهله وعشيرته ومستشاريه ورءوس القبائل: بل وحتى ولديه عمرو وحسان.
إلى أن تكشف له وجهه؛ وجه الصديق الذي قاده إلى متاهات الصين، كمثل غريق، تودي به رياح السموم الهوجاء إلى الغوص في رمالها، هو وجنوده وقادة فيالقه بل وأربعة أمراء من أبنائه، فلذات كبده. - أهكذا يصنع بالصديق؟
حتى إذا ما استفاق التبع المتجبر الغافل لما حل به، واستدار مستطلعا وجه الصديق الحليف الدليل، كان قد أضاع أخلص رجاله وجيشه وأولاده الأربعة.
وهكذا حطت عليه الهموم الثقال، فكان يأمر حجابه بإحضار رءوس أبنائه الأربعة على أربعة أوعية على شكل صوان مصاغة من الذهب الإبريز ومغطاة بالرماد الذي تعتليه الرءوس باكيا متحسرا على مرأى من الصديق: وا ندماه!
وهكذا تهاوى التبع أسعد نهبا لأحزانه الدفينة، حتى إنه - وعلى حد قول المقربين منه، ومنهم ما تبقى من ذريته، عمرو وحسان - لم يعد يقوى على إتيان الفعل ومعرفته. - أين نحن؟
ومن هنا جاء اجتماع الأمراء التسعة الذين كانوا تحت إمرته، مطالبين بضرورة عمل شيء للخروج من ذلك المنزلق القاري الذي لا قبل لهم به، ولو استدعى الأمر ضرورة الانسحاب والعودة إلى ربوع اليمن، ما دام الملك - الغافل - أصبح لا يعي مجرد موقع جيشه من بحار بلاد الصين المتلاطمة، وما دامت الخسائر أصبحت تلاحقهم من كل حدب وصوب، «بل وتنشق الأرض عليهم انشقاقا كل مطلع فجر وغروب.»
حتى إذا ما استقر رأي الأغلبية على ضرورة الانسحاب والعودة إلى جزيرة العرب وربوعها شمالا وجنوبا، لم يجد ولداه - عمرو وحسان - بدا من تأييد قرار العودة، ودون حاجة لأوامر التبع السقيم المريض.
فالأكثر حكمة في مثل هذا القرار، هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مغانم تلك الحروب القارية التي طال أمدها في ربوع آسيا الوسطى والأناضول حتى مداخل الصين، والعودة بها إلى اليمن وجزيرة العرب.
كما أن الأكثر أهمية هو تقبل الأمر الواقع باحتضار «التبع المتجبر» لدفن جثمانه واقفا أو منتصبا حسب وصيته بين رفات أجداده التباعنة، كما أشار في وصيته. - لا تضجعوني فيضطجع ملككم، بل ادفنوني واقفا ليظل ملككم شامخا.
ومن هنا أعدت المراكب تمهيدا لرحلة العودة إلى ربوع جزيرة العرب وموانئها البحرية، فسيقت وحملت الغنائم والأسلاب، وحمل التبع الراقد بعرشه ورءوس أبنائه القتلى وأسراه، وسجينه الملك الآسيوي مقطوع اللسان إلى ظهر السفن دون إعلامه «بقرار العودة والاندحار المفاجئ.»
وأقلعت السفن عائدة باتجاه المحيط الهندي وبحر العرب، يسبقها الرسل إلى ربوع الجزيرة العربية وكياناتها شمالا وجنوبا، إلى حضرموت وعدن وسبأ والحجاز وذي نسور.
فأقيمت الأفراح والزينات لاستقبال الرجال من المحاربين وعلى رأسهم التبع اليمني الغازي أسعد وولداه عمرو وحسان.
وهكذا أفلح الجميع في إخفاء تحركات الجيش المنسحب العائد عن التبع القائد رأس التحالف القبائلي العربي، إلى أن حطت السفن رحالها على شواطئ بحر العرب، وخرجت الجموع المنتظرة من زوجات وأمهات وأبناء وعجائز لاستقبال الرجال العائدين، حينئذ أدرك التبع الراقد ما حدث.