فالملك ذو اليزن ذاته بدا في سنواته الأخيرة رافضا للحرب والعدوان، لا يشغله شيء سوى إنشاء مشاريع شق الأنهار واختزان الماء بتشييد السدود والخزانات والمنشآت التي تتيح لتلك الأفواه الجائعة الحياة والنمو والازدهار، بالإضافة إلى أحلامه في نشر العدل والأمن للجميع، حتى لهجت الأفواه من أقاصي الأرض بالحب والثناء له. - شدد الله ساعد ذو اليزن الرحيم الضارب، وجرت مراسيم عرس التبع باحتفالات باهرة على طول مدينة - أحمرا - وعرضها، وكان أكثر الجميع حبورا ومباركة لما يحدث، وزيره المقرب «يثرب» عقب تيقنه من حب «قمرية» للتبع ومدى فصاحتها وعمق بصيرتها وعلمها ومعارفها ورجاحة عقلها، إلا أن قمرية ظلت نهبا لأحزان ثقيلة مخيمة تتصل جميعها بزواجها من التبع ولا تعرف أصلا ولا سببا واحدا. - لماذا؟
وكانت كلما اجتمعت بالملك ذو اليزن وامتد بينهما الحديث وتعرج، عاود الملك تأكيد وصاياه لها، سواء بالنسبة إلى شئون حكم البلدان المترامية وكيفية تسييسها وإدارة دفتها، أو بالنسبة إلى ذريته المرتقبة منها - ذكرا كان أو أنثى - أو فيما يتصل بحماية مشاريعه المائية والزراعية، أو في التشدد معها في نصرة المظلوم وتسييد العقل والحكمة، وكانت هذه الأحداث تعيدها إلى أحزانها الغامضة الدفينة التي لا تعرف لها سببا.
كانت تساءل نفسها في وحدتها: لماذا يتعمد الملك إثارة أحزاني ودموعي التي أصبحت لا تنقطع؟! إلى درجة أنها أصبحت تمقت هذا الضعف في نفسها، وهي التي لم تكن تعرف للبكاء ونزف الدموع طعما - كعادة النساء - قبل حبها ذلك الجارف المتفجر.
وسألت، في هذا، الكثير من مقربيه من أمراء وحكماء وشيوخ القبائل حتى وزيره «يثرب»، فلم يزدها الأمر إلا التيه والافتقاد في بحر الغموض الذي تعيشه.
حتى عندما انتهت مراسيم الزواج، حاولت التسلل إلى مكنونات قلبه لمعرفة ما به، لكن هيهات!
فلقد كان كل ما يتعجله منها، هو الخلفة والذرية، مما دفع بها أكثر إلى التوتر ومعاودة التساؤل حول غرابة أطوار ذلك الملك الزوج الذي لا يكبرها كثيرا، والذي أصبح كمن ينتظر مجهولا لا قبل لأحد بانتظاره.
فكانت كلما مرت بهما الأيام والليالي، تضاعفت لهفته بانتظار مولودهما. - سيف، درعي القادم، أين؟
ويمضي يتفوه بتلك الكلمات التي عرفت عن تباعنة اليمن وحكمائهم إزاء شعورهم باقتراب الأجل مثل الحكيم لقمان بن عاد صاحب النسور أو لقمان «ذي النسور» الذي ربط بين موته وفناء آخر نسوره السبعة، وكانت أسماء تلك النسور على التوالي؛ هي: المصون، وعوض، وخلف ومغبغب، واليسر - أو الميسرة - وإنسي؛ لذا كان يتسمى بلقمان الإنسي، وكان سابعهم هو النسر «لبد».
وحين وافت المنية ذلك النسر السابع «لبد» فسقط مشرفا على الموت، ولم يقدر أن ينهض، و«تفسخ ريشه» كما يقولون، ناداه لقمان. - انهض لبد، أنت الأبد.
ولما لم ينهض ويطر من جديد محلقا بجناحيه، أنشد لقمان يبكي نفسه:
موتي إني أموت اليوم يا لبد
وا حسرتي أن قد تعرم الأبد
فطر كما كنت سالما أبدا
تحيا ونحيا معا ونحتفد.
فكثيرا ما تندر لها ذو اليزن بأشعار التباعنة - الدهريين - في وحدتيهما، كما ذكر لها ما قاله امرؤ القيس بن حجر المقصور بن الحارث آكل المرار الكندي وهو يرثي ذا القرنين الصعب بن ذي مراتد الحميري:
ألم يخبرك أن الدهر غول
ختور العهد يلتهم الرجال.
ثم ينشد متغنيا:
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني
وأين مكان البعد إلا مكانيا.
بل إن ما آلم قمرية وهي ما تزال بعد عروسا وضاعف من تمزقها وأحزانها وعذاباتها، وهو التحول السريع المتلاحق الذي حل بالملك، وزهده في الحكم موكلا أمر العسير من قرارته الجوهرية، إليها هي وحدها. - عليكم بالأميرة.
وكانت كلما واجهته متعثرة نهبا لمشاعرها الحزينة الآسية، بعدم معرفتها بأصول الحكم أجابها: ولم لا؟ أنت زوجتي تعلمي، تمرسي، أنا لست بخالد.