تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أصبحت، ومنذ لحظة لقائهما الأول، لا تفكر في مخلوق آخر سواه، فما هو - ذو اليزن - سوى الماء الحي الذي يروي صحراءها العطشى المجدبة، وفي انقطاعه عنها، موتها المحقق كما سبق أن ذكرت. - إذا ابتعدت عني بعد اليوم فسأتجرع سمومي.

تساءلت أمام مراياها العاكسة كالمذهولة: تراه يتصورني طامعة في ملكه.

أضافت: أنا حقا طامعة فيه ولا شيء آخر في هذا العالم الفاني يغنيني عنه، وسواء أكان ذو اليزن أو صيادا معدما فهو عالمي الوحيد، جلي، وفي هذا الكفاية لشفاء ظمئي المتحرق منذ لحظة اللقاء الأول التي لن أنساها ما حييت.

حتى إذا ما ضاق بها الخناق يوما دون أن تعثر على جواب شاف لتساؤلاتها هذه التي لا جواب لها، اتجهت يوما إلى وزيره الأول وصفيه «يثرب»، مختلية به؛ سائلة: كثيرا ما يراودني التساؤل، حول سوء فهم الملك لي، وكأنني إنما جئته طامعة في ملكه، أقول لك الحق أنا فعلا طامعة، لكن فيه هو ذاته، وما عداه سراب.

عندئذ هدأ الوزير يثرب من روعها، إلا أنه ولدهشتها أعاد إليها ذات التساؤل: أنا حقا لا أعرف ما الذي اعترى التبع في هذه الأيام؟ تطلعت إلى الوزير في أقصى دهشتها: أنت أيضا!

قال في غموض: لا أعرف! - كيف لا تعرف ؟

أضاف أكثر غموضا: يخيل إلي أنه يخفي شيئا عنا جميعا.

قاربته قمرية مناشدة: ما هو الشيء الذي يخفيه عنا؟

أضاف يثرب: أصبح في الآونة الأخيرة كثير الحديث عن وريث لملكه المترامي.

شردت قمرية غائبة في تفكيرها. - فعلا، أصبح لا حديث له، سوى ... أجهشت بالبكاء فجأة وهي تدق في عصبية الجدار المواجه.

يا لنكبتي! يا لنكبتي!

قاربها الوزير يثرب في حنو: هدئي يا أميرتي من روعك وحاولي ما استطعت إبعاد مثل هذا الخاطر، لا شيء سيحدث سوى كل خير، والملك شديد الاستبشار بك منذ حللت في حياته التي كانت موحشة، فأنت أعرف الناس بزهده عن النساء.

مضى يجفف لها دموعها الغزيرة بمنديله قائلا: حاولي ما استطعت إسعاد الملك التبع الذي أعطى كل حياته للناس ولم يفكر لحظة في نفسه هو، حاولي.

اتجهت إليه معاودة التساؤل من خلف دموعها التي انهمرت مجددا: كيف؟

فكري في عرسكما معا؛ قالت: أنا رهن إشارته، ولا أريد أي عرس لا أريد سواه في هذا العالم المظلم.

واصلت البكاء والنحيب في حدة. - لماذا؟ لماذا؟

فتح الباب فجأة وتوقف الملك ذو اليزن قائلا بصوته الهادئ النبرات: ماذا؟ أتبكيانني من الآن؟

تقدم منها ممازحا: ها أنا الآن ما زلت في هذا الجسد.

أدارت قمرية وجهها ثانية غارقة في دموعها.

الفصل الثامن عشر

| مراسم عرس التبع

ما إن وصلت وفود المهنئين أفواجا إثر أفواج إلى عاصمة التباعنة الجديدة - أحمرا - محملين بثمين الهدايا والكنوز للمشاركة في حفل عرس الملك التبع ذو اليزن، حتى أشرف الوزير الأول «يثرب» على نزولهم بقصور الضيافة التي أعدت لهم، والملحقة بقصر التبع.

وجاءت الوفود المشاركة من الملوك والأمراء والحكام وشيوخ القبائل من اليمن والجنوب العربي وشمال جزيرة العرب والشام ومصر والعراق والمغرب الكبير.

وابتهج الجميع بهذا الحدث الكبير، استبشارا بأن يخلف التبع ذو اليزن من زوجته قمرية التي وقع اختياره عليها وريثا لعرش التباعنة، كما سبق للملك أن تمنى: هيكل، وكنيته: سيف.

وهكذا ارتفعت الدعوات وعلت الأماني بأن ينال ذلك الملك الرحيم العفوف - ذو اليزن - يوما مبتغاه، خاصة وقد تكاثرت أطماع الأحباش وملكهم المتآمر المعادي للعرب سيف أرعد ووزيره الشرير «سقرديون».

لذا استبشر الجميع في ربوع اليمن والجزيرة ومصر وما بين النهرين والمغرب الكبير بتلك الخطوة التي أقدم عليها التبع، بعد طول زهد في التفكير في الزواج والإنجاب، ولو من مدخل الحفاظ على ذلك الرمز الذي استقر تحته الجميع كمظلة آمنة تشد أزرهم ضد أي عدوان مبيت.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٥٧