تساءل الجميع في همس هنا وهناك: أحقا ما يحدث؟!
إلا أن قمرية اعتراها حزن غريب عميق الأغوار لم تعهده أبدا، وهي التي قضت حياتها بكاملها داخل ساحات ومحارم قصور مشابهة دون أن تصدم يوما من الأيام بمثقال ذرة كما صدمتها هذه الليلة المتلاحقة الأحداث. - ما الذي اعترى الملك الليلة، ليصدم الجميع على هذا النحو من الغرابة التي قد تفضي إلى توقف القلب عن نبضاته والدم عن سريانه، وتؤدي إلى الموت الزؤام، الموت اندهاشا، لماذا؟
لقد مشت تشد على يد الملك حيث يتوجه قلبها، أو لعله سيقفز منخلعا من بين جوانحها، لقد جاءته منذ أيام معدودات متآمرة مغتالة تتأبط سمها الزعاف لترديه قتيلا في غمضة عين، ثم ها هي الآن أميرة ممسكة يده التي لو حدث وتخلت عنها، لفارقت الحياة بأسرها من فورها. - ما معنى هذا، الليلة! - هيكل وسأدعوه: سيف!
تساءلت: من جاريتك قمرية؟
أجاب دون تردد ممسكا يدها برفق: أجل.
شردت ببصرها: لو أن الشمس الغاربة لتوها أعادت إشراقها الآن حالا لما تساءلت: لماذا، ولما كانت عثرت على جواب شاف.
حتى إذا ما سنحت لحظة قاربهما فيها وزيره وصفيه المقرب «يثرب» اتجهت إليه قمرية بسؤالها الأزلي معبرة بكل وجهها وخلجاتها: لماذا؟
أجابها الوزير يثرب: لأنه ذو اليزن.
استكانت لحظة مطلقة عنان أفكارها لذلك الحب الطاغي المكبل الذي اعتراها فجأة ودون سابق إنذار من الرأس حتى القدمين مرددة بعده: ذو اليزن.
هنا تدافعت الوفود المتطلعة إليهما من كل جنبات القاعة العملاقة مهنئة مهللة، وهي تلقي بنادر الهدايا تحت أقدامهما، النساء قبل الرجال يخلعن عنهن أساورهن وأقراطهن الذهبية المرصعة بالياقوت والزمرد والرجال خناجرهم الإبريزية وما يحملونه من ثمين الأحجار الكريمة مهنئين. - حان الوقت، وحل الأوان، مبروك يا أميرتنا، وعلى الفور علا اسمها: قمرية، قمرية!
الفصل السابع عشر
| جنون ملك الحبشة
جن جنون ملك الأحباش «سيف أرعد» حين تنامى إلى سمعه الكيفية التي انتهت إليها مهمة تلك الجارية التي كانت تغل سما «قمرية»، والتي بلغت ذروتها القصوى منذ لحظة وصولها إلى مدينة التبع اليمني الغازي ذو اليزن، «أحمرا» فبدلا من أن ترديه قتيلا بسمها الزعاف الناقع، أوقعته في حبائلها إلى حد إقدامه على الزواج منها. - أحقا ما أسمع؟! يا لها من كارثة.
اربد وجه الملك وهو يسمع ويقرأ تقارير عيونه وبصاصيه، مقارنا الواحد بالآخر، وأزعجه أنها جميعها تلتقي على الزواج من قمرية، ليخلف منها وريثا «لعرش التباعنة العظام».
تساءل الملك محطما من فوره كل ما تقع عليه يداه في غضب مندفع جارف: عرش التباعنة العظام؟! هنا في قلب أفريقيا هنا؟! على مقربة منا، من إثيوبيا!
لحق به وزيره المقرب الذي يمقت العرب ملهوفا محاولا تهدئة ما ألم به من ثورة غاضبة، حين استدار إليه الملك دافعا إليه بكومة ما تلقاه من تقارير. - إنها مشورتك، اقرأ يا سقرديون! - قرأتها بكاملها حرفا حرفا.
رفع الملك ذراعه المغطى بالأختام والأساور المصاغة من الذهب الإبريزي الأحمر صارخا: سيتزوجها التبع تصور، يتزوج من قمرية.
رفع صولجانه مشهرا مهددا: ليخلف منها وريثا لعرش التباعنة، وهنا، هنا عند أعتابنا على أعتاب أسعد يهوذا.
أعاد مسرعا قراءة أحد التقارير. - لقد حدد وهو لا يزال في بطن أمه «الأذية» «هيكل» وسيدعونه «سيف»، ليشهره في وجهي، في مقتلي أنا وليس أحد سواي، بالطبع من هو غير أنا؟!
وعلى الفور تصور الملك أرعد، مائدة ملك بعلبك المسمومة، وما انتهت إليه، صارخا في وجه وزيره المأخوذ سقرديون: هي بذاتها الحكاية القديمة، تطل برأسها من جديد تماما، مثلما حدث مع ملك بعلبك وانتهى بقطع رأسه.
تهاوى من فوره جالسا على عرشه - عرش أسد يهوذا - آخذا رأسه بين ساعديه. - الحكاية القديمة، هه، والآن جاء دوري أنا، هنا.