غمغم ساخرا: فالتبع لا يبغي حربا، بل انتقاما.
وكما لو أن أطماع وأحلام ملك الأحباش قد تهاوت كلها دفعة واحدة، كما لو كانت مجرد أضغاث أحلام، استحالت فجأة إلى كوابيس محاصرة مروعة لا مهرب له ولا فكاك منها. - إلى أين؟
كانت أحلامه وأطماعه لا تقف فقط عند مجرد حكم إثيوبيا وتوابعها، بل كان قد ورث بدوره عن أسلافه السيطرة على النيل ومنابعه حتى مصبه، فكان يمد بصره إلى السودان والقرن الأفريقي والصومال وأريتريا ومراكش بل والمغرب الكبير بكامله وبلاد النوبة ومصر العليا، لتنتهي تلك الأطماع مؤمنة حدوده على مشارف البحر الأبيض المتوسط ومنارته «فاروس»، التي أصبحت الإسكندرية فما بعد.
بل هي لم تكن أبدا مجرد أحلام وأطماع، توارثها الملك «سيف أرعد» عن أجداده وأسلافه جيلا إثر جيل، بل كانت أطماعا شخصية أيضا عمل فعلا على تحقيقها، وزاد عليها أطماعه الآسيوية في بلاد التبع ذاته في جنوب جزيرة العرب منبت ومنبع ذلك الخطر الجاثم دوما على بلاده وأمنها.
لذا واصل الملك أرعد على الدوام إعداد فيالقه المحاربة الزاحفة التي لم يكن ينقطع هجومها وغاراتها الخاطفة على حدود ومدن تلك البلاد، ثم العودة من جديد إلى إثيوبيا، بالأسلاب والأسرى والغنائم من «ذوي البشرة البيضاء»، تمهيدا لإعداد العدة للزحف الكبير وإحكام قبضة الحبشة عليها شمالا وغربا.
وكان يرجئ ذلك الزحف دوما بانتظار الانتهاء من أقوى وأصلب أعدائه، وهو ذلك التبع اليمني ذو اليزن، الذي بدد منذ نزوله بجيشه وقبائله، أحلامه وأطماعه.
وها هو أخيرا - أي التبع - قد سد عليه كل المنافذ باكتشافه لأبعاد خطة اغتياله الخسيسة المغلفة بثمين الهدايا ورسائل المودة وحسن الجوار، حين أرسل إليه بسفيرته قمرية.
انتفض سيف أرعد من جديد منتصبا متحركا على طول جنبات وردهات قصره، ووزيره المتنمر سقرديون في إثره، يتحين لحظة تهدئة ثائرته، ليفضي إليه بخطته الجديدة حول كيفية التخلص بأسرع الطرق وأنجعها من أولئك العرب الغزاة وشرورهم.
اتجه الملك أرعد من فوره إلى حيث خلوته، عابرا الجسر الموصل بين مقره وقلعته الواقعة داخل الميناء المطوق من ثلاث جهات، والذي حوله إلى شبه جزيرة حصينة، إلى أن توقف مستديرا لوزيره سقرديون مفضيا إليه بهواجسه. - لا بد أنه عرف بخطتنا.
أجابه الوزير باقتضاب: من قمرية، الحبيبة الجديدة التي أصبح الطريق إليها مفتوحا لتعتلي عرش التباعنة.
نظر الملك أرعد إلى الماء مغموما: لا تقف أطماعها أبدا عند حد، تلك الجارية البيضاء. - حية رقطاء، أعجمية.
غمغم الملك مهموما بمرارة بالغة: أما من مهرب أبدا من هذا العالم المليء بالجنس الأبيض وشروره، هه، ها هي قمرية وبعد كل ما قدمته لها زاحفا عند أقدامها.
عاتبه وزيره: حين أهملت كل تحذيراتي عنها. - لننس ما مضى، لتذره الرياح.
علا صوت الملك مهددا: نحن هنا الآن، وفي هذا المكان، التبع لا ينسى ثأره لحظة، مهما تظاهر بالسماحة، وهو أنه لا يبدأ حربا ولا يمشي أبدا إلى حيث الخراب.
عبرا ممشى جانبيا يقود إلى «ذهبية» عائمة إلى أن أصبحا وسط البحر الملبد بالغيوم المتعانقة مع سفوح الجبال الشاهقة المحيطة، وغابا طويلا داخل أغوار البحر المحيط. - جحيم التبع اليمني وانتظاره، جحيم.
أما التبع ذو اليزن، فقد أرجأ على عادته السمحة انتقامه من ملك الأحباش الذي بدأ علاقته به على ذلك النحو الغادر، منشغلا بحبه الجديد من تلك الفتاة - قمرية - التي جاءته قاتلة ومغتالة، فتملكت من فورها أعماق قلبه، حين ذرفت أمامه دموعها مدرارا ندما على ما أقدمت عليه في البداية، وانتهى إليه أمرها إلى حب عميق ضارب الجذور والأبعاد للملك الضحية البهي الطلعة الذي أسرها أسرا بسماحته وفروسيته.
ومن هنا تلاقيا معا منذ البداية - التبع وقمرية - على أرض صلبة من المكاشفة والصراحة، فكانا أن رسخا جذور الحب بدلا من البغضاء والتآمر.