غمغم يثرب متسائلا لنفسه، وقد جمد في مكانه حيث يقف، إلى أن أشار الملك التبع له بالدخول: صديقي الوفي يثرب.
تقدم الوزير يثرب مسرا للملك بموعد الحفل: وصلت مواكب الوفود.
تطلع الملك إلى السماء وكأنه يقرأ الوقت: وصلوا، أشار الملك لمساعديه منسحبا مربتا على يدي قمرية، وأحاط على الفور أربعة من مساعديه فألبسوه تاجه وعباءته وطيلسانه، وحين انتهوا من مهمتهم، اتجه ذو اليزن إلى حيث تقف «قمرية» مادا لها ذراعه في استئذان نبيل: لم لا تحضرين هذا الحفل معنا الليلة يا قمرية؟
ارتعدت قمرية من الرأس حتى القدم من هول مفاجأة الملك التبع لها على هذا النحو، وحاولت بسرعة السيطرة على حواسها وهي تمسك بيد الملك التي مدت لها.
أما الوزير يثرب فقد غالب اندهاشه معلقا قائلا: إنه حفل الأسلاف التباعنة الذي يحل موعده الموافق لهذا الشهر القمري من كل عام، ويحضره الملوك والأمراء والسفراء من سبأ وحضرموت ويثرب ومصر وبلاد النبط وفارس وبلاد بنط ودمشق والمغرب الكبير.
ولم يكمل الوزير يثرب حديثه عن الحفل؛ إذ طغت موسيقى تتخللها الهتافات المدوية بحياة الملك التبع، في ذات اللحظة التي انفتحت فيها قاعات القصر، التي بدت وكما لو كانت قاعات دائرية مسحورة تدور في بطء وديع مهدهد مع اتجاه حركة الشمس في الأفق البعيد التي بدت حمراء قانية.
وبدت القاعات الفسيحة المتناهية الروعة غاصة بالوفود المشرئبة بأعناقها باتجاه الملك ذو اليزن، وقمرية إلى جانبه متأبطة ذراعه غير مصدقة ما يحدث، ولكنها أدركت في النهاية مغزى اصطحاب الملك التبع لها جهارا على هذا النحو، إلى درجة دفعت بها إلى القول في جدية بالغة: إذا تخليت عني بعد اليوم فسأتجرع سمومي! - لن يحدث.
وحين بدأ الملك النزول عن أولى درجات عرشه، انحنت هامات الوفود رجالا ونساء وصدحت الموسيقى، ودارت أطباق الطعام وكئوس الشراب وتقدم الملك ذو اليزن محييا مرحبا بالجميع ممازحا إياهم في حنو بالغ معلنا تقديمه «لقمرية» في بساطة وهو يضاحكها على مرأى من الجميع قبل أن يطلب يدها بعفوية بالغة: أتقبلينني زوجا؟
فما كان من قمرية إلا أن تراجعت منزوية خجلا من روعة وصفاء ذلك الملك البهي الطلعة الذي لم يدرك أبعاد الصدمات المتتالية التي أحدثتها هذه الليلة العاتية المتلاحقة الأحداث «لقمرية» التي تمتمت بخجل بالغ؛ قائلة: يبدو أنك أيها الملك الذي ستعجل باغتيالي الليلة، قبل الأوان.
أجابها ذو اليزن؛ مازحا: واحدة بواحدة.
إلى أن واجهها بغتة في جدية: أتقبلينني؟ - أقبلك!
ثم أطرقت خجلا.
قال موجها حديثه هذه المرة لكبار مدعويه من مختلف بقاع الأرض، بأزيائهم الغريبة الشديدة الاختلاف والتنوع المتضاربة الألوان والمجوهرات: أتمنى أن يتحقق أملي يوما لأخلف من قمرية وريثا لعرش التباعنة، مجرد أمنية.
تنهد الملك جانبا مخفيا ما اعترى وجهه من تعبير يفيض بالأسى ثم أردف؛ قائلا: قبل فوات الأوان.
صفق المدعوون، وعلت الموسيقى والغناء وتبارى الشعراء في تمجيد الملك التبع، بينما اندفعت قمرية تبذل أقصى طاقاتها للسيطرة على مشاعرها إلى أن أخرجها الملك من أحلامها. - لعلني أخلف منك يوما وريثي، «هيكل».
هنا سرى الاسم بين الجموع متلاحقا من مجموعة إلى أخرى ومن فم إلى آخر إلى أن عم الصالات الواسعة الغاصة بالشموع والمشاعل وموائد الطعام والشراب والشواء، ومختلف الفرق الموسيقية والأكداس المكدسة من ثمين الهدايا النادرة والمجوهرات. - هيكل، هيكل.
قال الملك ذو اليزن، موضحا: هو «هيكل»، وسأدعوه «سيف».
وتدافعت الوفود أكثر من كل حدب وصوب وهي تتطلع مرة إلى وجه الملك التبع، ومرة إلى قمرية وقد اعتراها الذهول الذي أفصحت عنه الملامح اللاغطة المحبة لذلك الملك الذي لم يعهدوه أبدا يخطو بمعزل عن الخير: هيكل، سيف، أحقا ما نسمع ونرى، هيكل، سيف!