تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو الملك الفاتح سيف بن ذي يزن، آخر الملوك التباعنة، الذي سمي بأبي الأمصار، وحروبه وفتوحاته في أفريقيا والهند وبلاد الفرس.

وهو ما ستطالعنا سيرته، بالجزء الثاني من هذا الكتاب.

الفصل السادس عشر

| زواج ذو اليزن من قمرية

منذ اللحظة الأولى التي التقى فيها الملك التبع ذو اليزن بتلك الفتاة الباهرة الجمال المتوقدة الذكاء «قمرية» التي كانت قد جاءته - متسللة كمغتالة - تبغي أولا وقبل كل شيء إزهاق حياته، عن طريق ترياقها المعجل، تخلى عن كل شيء ولم يعد يعرف للنوم طعما.

بل إن التبع احتفظ بقارورة السم الزعاف كما هي إلى جانب فراشه، وكان يحلو له في بعض الليالي تناول تلك القارورة المتناهية الدقة والصغر وتأملها مجددا بعدما استخرجتها قمرية - خلسة - من بين جدائل شعرها العسجدي الضارب إلى الاحمرار، ثم مدت يدها له فتناولتها إياه، بطريقة تلقائية منذ لحظة لقائهما داخل قاعة عرشه ومن دون أن تنطق ببنت شفة. - استريحي!

إلى درجة دفعت بالملك ذو اليزن إلى عدم مفاتحتها في الأمر رغم تعدد لقاءاتهما، وتعرف أبعاد تلك المؤامرة التي تهدف إلى اغتياله في فراشه، كل ذلك من تدبير ملك الحبشة «سيف أرعد» الذي بدأ علاقته معه على هذا النحو الأثيم، بل إن ذو اليزن تعمد من جانبه تغيير الموضوع بكامله بسؤاله لقمرية عن الملك سيف أرعد قائلا: كنت أنوي من جانبي الرد على هداياه بأفضل منها، «أطرق مبتعدا» لكن ما باليد حيلة.

ألجمت «قمرية» بدورها، دون أن يسعفها ذكاؤها الذي اشتهر عنها، أمام نبل شمائل ذلك الملك العربي الراجح العقل إلا أنها تململت مطرقة مغمغمة: ما أنا سوى رسول أيها الملك. - أعرف.

قالت: ولعل هذا لم يكن قراري منذ البداية.

هبت من فورها مقاومة انفعالاتها متجهة في معاناة إلى حيث الشرفات الفسيحة المشرفة على السهل الذي شيد على قممه المطلة على مدينة «أحمرا» وقصر الملك التبع الحصين. - أبدا لم يكن هذا قراري. - تقصدين اغتيالي؟ - لم أقصد شيئا سوى أن أراك يوما.

قاربها التبع منبهرا من جمالها الطاغي.

لحظتها تدفقت الدموع السخية من عيني قمرية. - أنا لم أبك أبدا من قبل. - أعرف.

اندفعت تتأمله في أقصى حالات انبهارها، كما لو كانت على معرفة سابقة كاملة ودقيقة بمعالم وقسمات وجهه. - أبدا، لم أعرف للنحيب طعما وإحساسا. - أجل، أعرف.

سألته في عفوية طفولية طاغية وهي تقاربه أكثر متأملة إياه من تحت أهدابها المبللة: حقا تعرف! كيف؟ - مثلك لا يبكي أبدا يا قمرية.

ضاحكها: الأذية.

هنا لم تتمالك قمرية السيطرة على مشاعرها فاندفعت تضحك من أعماقها، كما لم تضحك أبدا في حياتها، إلى درجة أسقطت عنها كل أسلحتها، لتعاود براءتها الأولى التي عاشتها يوما في طفولتها «الأعجمية»، وقبل أن تأخذ طريقها - كجارية مملوكية - ذائعة الصيت تتقاذفها القصور والمؤامرات ودسائس الحكم والسياسة، وحياة الترف والثراء وشهوات التسلط على أعناق ومصائر أعتى الملوك والأمراء، إلى أن انتهى بها المطاف في أعلى الذرى لدى ملك الأحباش «سيف أرعد» الذي بعث بها إلى ذو اليزن.

وهكذا لم تصدقها عيناها، وهي تقف يوما في مواجهة ملك هذه البقعة الشاسعة من الأرض ذي اليزن بوجهه السمح الآسر العميق المشاعر. - لعلني ما زلت أحلم سابحة في أغوار هذه اللحظة الدهر، يا مليكي التبع.

أشار ذو اليزن بذراعه عبر شرفات قصره: نحن ما زلنا في وضح النهار، أيتها الأمير قمرية.

ومرة أخرى انهمرت عينا قمرية الباهرتا الجمال دموعا مدرارة، متسائلة مدهشة: أميرة؟

هنا علا رنين جرس الاستئذان بالدخول، وانفتح باب قاعة عرش التباعنة على مصراعيه، واندفع الوزير الأول «يثرب» داخلا في مهابته، إلا أنه توقف وقد أدهشه مشهدها المفصح دون كثير عناء عن الكثير من الأمور الجليلة. - ماذا يحدث؟

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٥٢