تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحسست قارورة سمومها التي خبأتها بين طيات شعرها العسجدي، متنهدة مشيحة ببصرها إلى حيث قصر التبع ذو اليزن: وصلنا.

إلى أن حانت لحظة لقاء الملك التبع ذو اليزن بجارية ملك الحبشة «سيف أرعد» عقب سلسلة طويلة من لقاءات رجاله بها لمعرفة غرضها من تلك الزيارة، وأخصهم وزيره الحكيم «يثرب»، الذي أشار عليه بمقابلتها بعدما أعجب بجمالها الباهر ورجاحة عقلها وفصاحتها: أشهد أنني لم ألتق قبلها بأروع وأفصح من تلك السيدة المتعالية المتوقدة الذكاء.

وكان أن أشار الملك ذو اليزن بإدخالها، حتى إذا ما تصافحا، وقدمت إليه قمرية رسائل ملك الحبشة، وفضها مسرعا، قاربها مادا إليها يده في ثقة، مما دفع بها إلى التراجع، وهو يواصل الخطو باتجاهها مبتسما قليلا، ثم اتجه بيده مشيرا إلى جدائل شعرها العسجدي المنسدل، مما دفع بقمرية إلى أن ترفع يدها إلى شعرها، مخرجة من فورها قارورة السم الضاربة الاخضرار من بين جدائل شعرها حيث تخبئها. - ها هي!

ناولتها له مطرقة مستسلمة في صمت حط عليها من بالغ انبهارها بالملك التبع ذي اليزن. - مولاي.

أجلسها الملك على مقربة من فرشه. - استريحي.

وامتد الحديث بينهما صافيا متوقدا، دون أي شائبة أو خداع وكأنهما على معرفة وثيقة أحدهما بالآخر منذ زمن طويل.

تحادثا فيما يحدث ويجري على طول القارة السوداء بكياناتها وأقوامها المختلفة في مصر والمغرب الكبير والقرن الأفريقي ونيجيريا وبلاد الحبشة.

وأفاضت معه قمرية في حديث عميق عن الماء والتربة والأنهار وأخصها النيل كما استحوذت على إعجاب التبع حين تعرج الحديث بينهما عن تباعنة اليمن واهتماماتهم بالسدود ومجاري الماء منذ «عبد شمس بن سبأ» وسده الشهير بسد مأرب.

كما تطابق رأيهما على كراهية الحروب والعدوان التي لا تحقق سوى قتل الأبرياء من الناس الآمنين. - فيكفي الناس ما هم فيه من آلام وتطاحن يومي. - أجل، أجل، فالحياة ذاتها تقتلنا يوما إثر يوم.

إلى أن غيرت قمرية مجرى الحديث وأخذت تتطلع في عيني الملك في ثبات؛ قائلة: ما قبلت هذه المهمة - القذرة - إلا لكي أراك وأتحقق بنفسي بما سمعته عنك وعن سعة رحمتك.

ابتسم التبع ذو اليزن: ماذا سمعت؟

قالت: سمعت ما يبهر أعداءك قبل محبيك.

زفر الملك مستريحا: أحقا؟ أتصدقين؟

اندفعت قمرية من فورها جاثية منكبة عند ركبتيه، وتتطلع في انبهار من تواضعه الجم، فمد ذو اليزن يده إليها: اجلسي في بيتك، في هذا الكفاية.

وعم صمت ثقيل بينهما، ارتفعت فيه أصوات عزف موسيقى خافت وغناء من قاعة الطعام فدعاها التبع إلى العشاء مكررا: أنت في بيتك.

كان الملك التبع ذو اليزن قد زاد من معرفته بها بعدما راقت في عينيه، محرزة من فورها مكانة في قلبه لم يسبق لامرأة أن بلغتها من قبل.

وكان الملك ذو اليزن قد أصبح في الفترات الأخيرة نهبا للوحشة والانعزال، بعدما أحس مرضا حاول جاهدا كتمانه عن الجميع، خاصة وهو لم يخلف له وريثا لعرش التباعنة.

لذا آثر كتمان آلامه وأحزانه، تحسبا لمدى الأخطار التي يمكن أن تتفجر على طول مناطق حكمه ونفوذه المترامي، إذا ما أشيع وتواتر خبر مرضه المفاجئ وما ألم به. - كارثة.

ومن هنا جاء وصول تلك السيدة الحكيمة الباهرة الجمال الذي يزينه عقل راجح وبعد بصيرة، متوافقا كل التوفيق لما هو فيه. - قمرية، جئتني في وقتك.

كان قد عقد العزم على الاقتران بها من دون تردد وقبل فوت الأوان. - من يدري ما يخبئه الدهر؟

حتى إذا ما سنحت الفرصة للملك بعدما انقضى وقت العشاء، أفضى أثناءها ذو اليزن لوزيره المقرب «يثرب» بإحساسه نحو قمرية ورغبته المتأججة الطاغية للاقتران بها، رحب الوزير من فوره مباركا في أقصى حماسه وسعادة.

وهكذا أقدم الملك التبع ذو اليزن على الاقتران بقمرية بسرعة وعجل ليخلف منها وريثا لعرش التباعنة. - هيكل، وندعوه: «سيف».

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٥١