تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكانت علاقة ذو اليزن بيثرب أكثر من مجرد التوقف عند النصح وإسدائه، خاصة والتبع الجديد، كان لا يزال حديث السن، لم يتعد التاسعة عشرة من عمره حين وقع عليه الاختيار، ليلعب دور المنقذ في حكم حمير وسطوتها التي تخطت جزيرة العرب شمالا وجنوبا.

فالعلاقة بين التبع الجديد - الشاب - وبين وزيره الشيخ المتمرس يثرب، تخطت دور النصح، لتلتقي عند النظرة الواحدة والرأي الواحد في معظم الأمور التي غايتها إفادة التحالف وتوثيق عراه أكثر فأكثر.

واتضح هذا للجميع منذ الوهلة الأولى، أو منذ أول كارثة واجهها «ذو اليزن» كملك لحمير، وهي كارثة اغتيال عمه - حسان - وابنه غدرا، واتساع صدى الدعوة التي تبنتها - قبل الجميع - عمته البسوس مطالبة بالثأر والانتقام.

هنا فقط تطابقت وجهتا نظر كل من ذو اليزن ووزيره يثرب، وهو ما ضاعف من اشتعال نيران أحقاد البسوس إلى حد إعلان غضبها عليه وعلى وزيره «يثرب». - يا للخنوع المزري! ماذا دها حمير؟

حتى إذا ما واجهته البسوس بموقفه السابق، الذي أبدى فيه الرغبة لمرافقتها للنزال وأخذ الثأر من مغتالي عمه التبع حسان وابنه، أجابها ذو اليزن في حزم: أيامها لم أكن تبعا لحمير. - والآن؟ - الآن وفي هذا المكان، تأمرني حمير.

اندفعت عمته البسوس مواجهة في حدة، شاهرة صدرها له: أنا حمير!

غمغم الملك: أنت عمتي.

قاربها التبع الشاب ذو اليزن في حنو، آخذا بساعدها، مشيرا من شرفات قصره المنفتح على الجهات الأربع: ها هي حمير، الناس يا عمتي!

ولكم وخز ذلك الموقف الذي جاء متفجرا بين البسوس وحفيدها ذو اليزن أعماق قلبها ومشاعرها وجعل منها جرحا غائرا لا يبرأ، وهي التي مهدت له حكم حمير، ليخرج ومنذ أول قرار على رأيها وما تشير به هي أولا، كما اعتادت على الدوام منذ أن كانت في مثل سنه بل وأصغر؛ لذا فلا بد أن في الأمر شيئا، زفرت البسوس في حقد: ذلك العجوز الأرقط، يثرب، رأس الأفعى.

وهكذا صبت البسوس منذ البداية نيران غضبها وأحقادها على وزير ذو اليزن المقرب «يثرب» دون أن يثنيها شيء عن قرارها الذي أصبح يشويها شيا. - دم حسان.

وشيئا فشيئا واصلت البسوس نفض أيديها من التبع الجديد الذي لم يعد يأخذ برأيها في الخروج للحرب انتقاما لعمه حسان، حتى إذا ما وجدت بغيتها في الانتقام وأخذ الثأر الذي يبدو أن لهيبه اشتعل أكثر في «صنعاء وعدن»، أضرمت هي المزيد من النار إلى أن دفعت بابن عم حسان الأمير المدعو «عمران القصير» إلى تجهيز حملة من «مئة ألف مقاتل، إلى بلاد الشام.»

وكان كليب قد استعد للحرب والقتال، وخرج للقاء «عمران القصير»، والتقى الجيشان واشتعل لهيب المعارك والحرب، حتى عظمت الأهوال، فظل كليب يفتك بأفيالهم، إلى أن تمكن من عمران القصير ذاته، فصرعه على ذلك النحو المشين الذي لطخ حكم حمير وتباعنتها. - يا لها من كارثة لن يمحوها أي ثأر ودم مراق على روابي دمشق ولبنان وأرض السرو وعبادة وفلسطين، مدى الدهر.

تساءلت البسوس مذهولة كمن فقدت وعيها كله وهي تسير عبر ردهات قصرها على غير هدى: أي دم ذلك الذي سيشفي غليلي يوما، ليستقر ابن أخي التبع حسان في مثواه الأخير. شردت ببصرها عبر الشرفات المحيطة، متطلعة إلى وفود القبائل شاهرة الرماح والحراب مطالبة بالثأر لدم التبع المغتال، وابنه الصحصاح وابن عمه أخيرا: عمران القصير. - الدم ... الدم ... الثأر ... الثأر.

مدت البسوس كفي يديها وكأنها تستشف وتقرأ ما تخبئه الأيام والليالي الثكلى من أحداث جسام حبلى بالثأر المبيت. - رأس كليب بن ربيعة.

أرخت فجأة ذراعيها منكسة، كمن أسقط في يدها يائسة، من فداحة الأخبار الأخيرة التي حملها إليها رسلها وبصاصوها الفارون الذين عادوا أدراجهم إثر الانتصار الأخير الجديد الذي أحرزه كليب بن ربيعة على جيش عدن وصنعاء. - يا للعار.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣٤