إلا أنها تمهلت وأخرت تنفيذ خطتها ورحيلها، حين وصلتها أخبار جديدة، تلقتها من رسلها مستبشرة غير مصدقة، حتى إنها خلعت على الرسل، الذي حملوا إليها هذه الأخبار، الكثير من الأموال والهدايا.
ذلك أن والي التبع القتيل حسان على عدن وحضرموت والمدعو بالأمير «عمران القصير»، وصل به الغضب والضيق من مكيدة مصرع التبع حسان بالشام وفلسطين على ذلك النحو الغادر، إلى أقصى مداه، فجهز من فوره جيشه وفيالقه استعدادا للإبحار إلى تلك البلاد ومحاربة التغلبيين من بني ربيعة وحلفائهم، انتقاما لما حدث وألم بالتبع الذبيح.
حتى إذا ما وصلت الأخبار إلى التبع الجديد - كليب بن ربيعة - عن تلك الاستعدادات التي يجريها «عمران القصير» بعدن وحضرموت، استنفر من فوره قومه، لأهمية وضرورة التنبه لما يحدث، وقبل أن «تقع الفأس في الرأس»، وتسقط البلاد في أيدي تباعنة اليمن مرة ثانية.
وهكذا خرج كليب في كامل عدته وعتاده للقاء جيش عمران القصير الذي جاءهم بجيشه منتقما هذه المرة.
والتقى الجيشان واشتعلت لهيب الحرب، «حتى عظمت الأهوال، وظل كليب يفتك بهم وبأفيالهم وبفرسانهم كمثل ليث ضار، إلى أن تمكن من منازلة قائد اليمانية ذاته - عمران القصير - أياما طوالا، فظلا في حرب وقتال، إلى أن أرداه كليب صريعا.»
وعاد كليب راجعا إلى الشام، فدخلها «كالبازك»، أو كمثل صقر محاط بالعز والنصر.
وهنا لم تجد «البسوس » لها منفذا، سوى مواصلة استعداداتها للانتقام الأسود المبيت سرا!
الفصل العاشر
| انتقام البسوس
استبشرت أقوام اليمن والجنوب العربي باعتلاء التبع الجديد «ذو اليزن» عرش التباعنة، وهو ابن عمرو الذبيح.
وكأن كل ما حدث من كبوات مقوضة لملك الحميريين في السنوات الأخيرة، والتي اختتمت بمصرع التبع حسان بدمشق، لم يكن أكثر من تكفير عن اغتيال عمرو - والد ذو اليزن - الذي تسمى بالممزق أو الذبيح.
وها هو أخيرا ابنه الوحيد - ذو اليزن - يحكم حمير، بعدما أصابها وأدماها من كبوات جسيمة، جاءت متلاحقة كعقاب على ما قد اقترفت يداها.
وهكذا استراح الجميع مستبشرين بذو اليزن أو «ماء المزن»، الذي عرفه الجميع محبا أولا وقبل كل شيء للعلم والبحث في أغوار كنوزه ومخطوطاته التي لا تنضب، لكن وبما لا ينفي فروسيته التي شاعت عنه أيضا منذ مطلع شبابه، مثل خوضه مباريات الفروسية العربية، والتي لا تبعد كثيرا عن الطراد والنزال، بل والحرب عامة باعتبارها رياضة العرب القومية.
إلا أن ما اتفق عليه الجميع، هو مدى سماحته وانشغاله بأمور الناس وما يفيد وييسر حياتهم من إنشاءات لسدود وطرق استجلاب الماء وتصريفه وكيفية التحكم في مساره ومجراه بما يحقق الرخاء والاخضرار للناس والدواب.
وهي مشرعات السدود والتحكم في مناسيب المياه باعتبارها مصدرا لكل حياة ونمو.
فجاء اعتلاء «ذو اليزن» عرش التباعنة أقرب إلى بلسم أراح الجميع، وأخصهم بالطبع أهل العلم الذين التفوا من فورهم حوله معضدين مستبشرين، فلعل في قدوم هذا الشاب الصلد العف ما يحد قليلا من تسلط تباعنتهم وطموحاتهم التي لم تكن لتقف عند حد، على طول المشرق والمغرب على السواء.
وعادة ما كانت تنتهي تلك الأعمال الكبيرة من حروب وهجرات - والتي تتخذ من طموحاتها مجرد مطايا لبلوغ الآمال، تحت أي شمس وموطن، من مجاهل الصين حتى تخوم مصر - بكارثة لا يعرف لها أحد مدى تقف عنده، سوى أنها - أي تلك الكبوات والانتكاسات - كانت تصيب الجميع بلا استثناء من كبير إلى صغير.
ومن هنا توسمت القبائل اليمانية في التبع الجديد «ذو اليزن»، شيئا مخالفا عمن سبقوه من أسلاف، فلعله سيأخذ بالمشورة أو الشورى التي غابت عن أسلافه التباعنة على طول تاريخهم الغابر، بل إن هذا بذاته ما أصر عليه وزيره وناصحه الأول الذي اتخذه هو بنفسه - ذو اليزن - بمعزل عن عمة أبيه ذاتها، وهو المعلم والشاعر الحكيم «يثرب».