تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اندفعت البسوس من فورها صارخة في وصيفاتها : أين الجثمان؟ - بالقاعة الغربية يا مولاتي.

مضت من فورها متشحة بخبائها الأسود عابرة صفوف المعزين من رجال ونساء، إلى أن وصلت إلى حيث التابوت الحجري الجرانيتي الذي ووري فيه جثمان الأمير «عمران القصير» مشيرة للحراس برفع الغطاء حتى إذا وقعت عينا البسوس على الجثمان المسجى بلا رأس، تراجعت كالمشدوهة من رهبة المشهد: أين الرأس؟ - سمره كليب على بوابات دمشق إلى جوار رأس التبع حسان.

صرخت من فورها: والرجال، أين الرجال في حمير؟! أين؟! أين؟!

عم صمت طويل، لم يقطعه سوى نهنهة النساء وعويلهن في خفوت وتحسر.

عادت من فورها إلى مضجعها، عاقدة العزم على تنفيذ انتقامها المبيت من جميع التغلبيين الفلسطينيين وآل مرة اللبنانيين. - أشفي غليلي من كليب وتلك الملعونة، الحية الرقطاء، الجليلة بنت مرة.

وهكذا بدأت البسوس تخطط لانتقامها المقبل، ومن المعروف أنها كانت تحمل العديد من الأسماء والألقاب منها: سعاد، وتاخ يخت، وهند، والبسوس، بالإضافة إلى الاسم الذي يرد في الأدب العربي الكلاسيكي «الهيلة».

وقد قامت ملاحم التباعنة لتنسج عن البسوس ملاحم كثيرة أضفت عليها هالات أسطورية وحدتها مع المتنبئة الشاعرة الطروادية «كاساندرا»، مثل قصة حبها وزواجها المشابهة لما وقع بين «أبولو وكاساندرا» وانتهى بزواجهما في النهاية.

فلقد كانت سعاد أو البسوس منذ مطلع شبابها فاتنة باهرة الجمال فصيحة اللسان شديدة البأس دائمة الترحال.

كانت تركب الخيل في الميدان وتبارز الفرسان، واشترطت ألا تتزوج إلا من يقهرها في ميدان القتال.

وكان أن سمع بخبرها ملك عظيم اسمه سعد اليماني وكان ملك بلاد السرو - أي الأردن - فركب إليها وبارزها، إلى أن اقتلعها من فوق سرجها فأقرت له بالغلبة، وتزوجها وأقام لها حفلا عظيما لمدة سبعة أيام.

بعدها عاد بها إلى بلاده، وظلت تحكم معه البلاد عشرة أعوام، إلى أن أصيب «سعد اليماني» بالعمى وفقدان البصر، فأصبحت هي الملكة، وكلمتها هي العليا في بلاد السرو وعبادة.

إلا أنها آثرت العودة بزوجها الضرير إلى بلادها خلال فترة تغيب أخيها التبع أسعد وحروبه في أقاصي الشرق، إلى أن وقعت الأحداث الأخيرة الدامية ، التي دفعت بها إلى التصدي للانتقام بنفسها، والعودة إلى ربوع بلاد الشام، التي سبق لها أن عاشت وحكمت فيها سنوات عشرا.

لذا فإن البسوس على دراية واعية دقيقة بمجريات الأمور بالشام وبلاد السرو وفلسطين، بما يسر لها سبل تحقيق أغراضها من أوسع الطرق وأقصرها للانتقام بشكل رهيب وبشع وبصورة أكيدة لا يخالجها أي شك.

فما إن حددت يوم رحيلها سرا، حتى ركبت هي وبعلها الأعمى وبيتها وبناتها وثمين ممتلكاتها وسارت إلى أن حطت رحالها في بيروت والبقاع بالقرب من «حلة بني مرة».

وعلى الفور أرسلت وفودها بغالي الهدايا للأمير «جساس بن مرة»، حتى إذا ما استحسن جساس رفيع هداياها إليه، طلب مقابلتها، فسعت إليه - البسوس - وأنشدته أبلغ أشعارها: «بدوام أيام الأمير جساس بن مرة، ورفع على ملوك قدرك ومكانك، ونصرك على حسادك وأعدائك.»

وما إن تعجب جساس من فصاحتها وسألها عن حالها حتى قالت: «أنا شاعرة أطوف القبائل والعشائر، أمدح السادات وذوي الجود والأكابر.»

هنا رحب جساس بها للعيش في دياره وحمايتها من كل معتد.

وهكذا بلغت البسوس مرادها، فمضت من فورها تنشر الفتنة بين «البكريين من آل مرة»، وحكامهم التغلبيين أو بني ربيعة وملكهم المتجبر كليب. - ذلك الذي حرم عليكم الماء والكلأ.

وعندما بلغت ذروتها في تحريض القبائل، ووصل الأمر إلى مسامع أميرهم جساس بن مرة، بعدما أوغرت صدره ضد التغلبيين وتعديها على قومه، طالب بضرورة الاجتماع بزوج أخته الجليلة - كليب - وإعلامه «بتعديات أقوامه وجورهم وجورها.»

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣٥