تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعدها استماتت البسوس في اغتصاب الطفل الرضيع - ذو اليزن - من بين أحضان أمه ودفعت به إلى كبار المربين والحكماء ومعلمي الفروسية لينمو ويشب، متمرسا عن جدارة لحكم «حمير» وما يدور في فلكها من أقوام.

وها هي قد حانت فرصتها سانحة، حين وضعت بيديها الاثنتين تاج التباعنة على رأس «ذي اليزن»، عبر طقوس الأحزان الجنائزية التي صاحبت مراسم حفل تتويج التبع الجديد. - ذو اليزن.

حتى إذا ما انتهت عمة أبيه البسوس من ذلك تفرغت من فورها مبيتة وعاقدة النية على الانتقام لمقتل التبع حسان، حتى ولو استدعى الأمر اللجوء إلى المكائد والفتن واستخدام كل أساليب المناورة والخداع المؤدية إلى تحقيق أغراضها وغاياتها في الانتقام الأسود لدم التبع المهدور.

فهو ذاته الأسلوب - الدنيء - الذي لجأ إليه التغلبيون وحلفاؤهم «آل مرة» لقتل الملك التبع ليلة عرسه بدمشق.

فكانت كلما استمعت إلى تفاصيل المكيدة التي أودت بحياة التبع حسان، من عيونها وبصاصيها - شهود العيان - داخل قصر التبع، اشتعلت أكثر نيران حقدها وتأججت إلى حد أنها أصبحت لا تنام الليل. - يا لها من خيانة بشعة!

بل إن نسج الأقاويل والشائعات حول تفاصيل ما حدث تلك الليلة المشئومة داخل قصور الشام ولبنان، وصل بكامله إلى سمعها، ممهدا لها طريق خطتها الجديدة في الانتقام على ذات النمط «والوتيرة» التي أنهت حياة ابن أخيها وفي عقبه ابنه الصحصاح، وكاد أن يصل الأمر بعرش التباعنة إلى نقطة التأزم واللاعودة. - الخراب.

ومن هنا كان لجوء «الأميرة البسوس» إلى الحرب على ذات الوتر، أي وتر الخداع والتآمر وإيقاع الفتن والتحريض، وكل ما من شأنه تقويض أركان بيت بني مرة وبني ربيعة.

وفي مثل هذه الحالة، فمن هو أجدر من البسوس وأكثر باعا وعمقا وأغوارا في اختلاق مختلف صنوف فن الإيقاع، وفي زرع البغضاء والأحقاد وشراء الذمم. - من هو الأجدر في حمير لها؟!

فلا حد ولا نهاية لقدرتها هذه بالإضافة إلى ثرائها وسطوتها التي غدت مضرب الأمثال، بما يتيح لها استئجار أو استخدام البصاصين والملفقين من بلاد الشام وفلسطين طولا وعرضا.

يضاف إلى كل ذلك قدرتها على الحديث والإقناع وهي الشاعرة العريقة صاحبة المعلقات والمحرضات والموثبات والمراثي والمدائح.

فمن غير البسوس يمكن له أن يتفرد متفوقا في أسلوب حرب المخادعة والإيقاع المفضي إلى كل دمار، تعجز عنه أعتى الأسلحة والرجال؟

ومن هنا فكبوة حمير ودم التبع القتيل لن يأخذ بثأره غيرها، خاصة وبعد محصلة المعلومات والشواهد التي جمعتها جاهدة من مدن الشام وبواديه قبل حضره ومدنه، وبخاصة أخبار ووقائع ذلك التحالف الجديد بين آل مرة في لبنان، وبين التغلبيين الفلسطينيين، عقب زواج التبع الجديد، كليب، بالجليلة بنت مرة، ووراثة عرش حمير نهارا جهارا.

ثم ذلك الاستحواذ الجائر من جانب «كليب» الذي أصبح يتسمى متعاليا ب: «ملك العرب والعجم»، ممسكا بمقاليد السلطة والتسلط على حلفائه اللبنانيين؛ مما أوغر قلوب الأخيرين عليه، باعتباره لم يرع الاتفاق الضمني السابق لدى اغتيال التبع.

بل إن الأخبار والأقاويل وصلت إلى أذني البسوس مبالغا فيها إلى حد معرفتها الدقيقة بتفاصيل الصراع الوليد الخفي المتفاقم بين كليب وأخي زوجته الجليلة المدعو «جساس بن مرة».

وكيف أن الجليلة أصبحت نهبا لذلك الصراع بين زوجها وشقيقها، محاولة بكل ما أوتيت من رجاحة عقل، رأب ذلك الصدع الجديد المهدد بين قبائل زوجها، وقبيلتها هي - آل مرة - وحتى لا ينتهي الأمر بها إلى ضياع كل شيء.

وهي التي حلمت طويلا وصبرت إلى أن أوصلها طموحها إلى التربع على ذروة السلطة في دمشق وفلسطين وتوابعهما.

ووسط خضم تلك المسالك والمتعرجات والقسمات الواضحة السمات واصلت البسوس - أو سعاد - تحركاتها ورسم أبعاد خطتها الدامية، للانتقال بثروتها من خيول وجمال ورءوس أغنام وأموال، بالإضافة إلى كوكبة حرسها وأهل بيتها إلى ربوع الشام ولبنان.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣٢