تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن ما إن تواتر خبر مقتل الملك التبع حسان اليماني وشاع، من موطن إلى آخر ووصل أسماع عمته «الشاعرة البسوس»، حتى شقت ثيابها من هول النبأ الفادح وجسامته، وهي التي لم تبرأ بعد مما حدث وألم بوالدهما - التبع أسعد - وانتهى بموته كمدا وغما واندحارا.

هنا تخلت البسوس عن كل شيء حتى ذلك الغلام الصغير الذي كانت انتزعته من أمه الحجازية زوجة «عمرو» عقب قتل أخيه حسان له، والملقب بذو اليزن.

وقررت من فورها المناداة في أقوامها اليمنيين بالانتقام وأخذ الثأر، من التغلبيين والفلسطينيين وآل مرة - اللبنانيين - في آن واحد، بل ومن كل الذين دبروا تلك المؤامرة الغادرة على ذلك النحو الغادر الأليم. - يا للدناءة، يا لثارات حسان!

وعلى الفور قرعت طبول الحرب والانتقام العملاقة - الرجروج - على طول أقوام اليمن والخليج العربي، معلنة الخبر الفادح، والاستعداد للخروج والقتال انتقاما لدم التبع المسفوح على ربى دمشق وبيروت والبقاع.

وحين حاول «ذو اليزن» الصبي، الإلمام بما جرى، وأخبرته عمة أبيه البسوس نادبة الحدث، أبدى الصغير استعداده لمصاحبتها في حربها.

إلا أن البسوس نكبت أكثر حين جاءتها الأخبار بما حدث لجيش التبع وفيالقه التي نجح التغلبيون في إفناء بعضه، وتشتيت الجزء الأكبر منه، في أكبر كارثة انتقامية تعرض لها عرش التباعنة، منذ التبع حميد بن عبد شمس الملقب بسبأ.

وهكذا لم يعد يجدي الإسراع بإعداد ما يلزم من عتاد وسفن إبحار، قادرة على الردع، قبل أن يبرد ويجف دم التبع القتيل بين قبائله وأقوامه.

فحتى ابنه «الصحصاح» الذي كان قد أخذ مكان أبيه في حكم اليمن، بدا عاجزا إزاء فداحة الكارثة التي حلت بالتبع وجنوده في ربوع الشام وفلسطين والبقاع.

ورغم ذلك ظلت البسوس لا هدف لها سوى الانتقام الأسود على ما حل بابن أخيها مهما طال الأمد. - أبدا، لن تخبو نيران قلبي، إلا وكليب ممدد مقطوع الرأس بيد عبدي هذا.

بل هي مضت تصب لعنتها على كل من تقاعس أو تكاسل في الحرب وأخذ الثأر للحميريين المنكوبين، نتيجة الغدر والخيانة. - الدس في المضاجع.

وكانت كلما تدافعت إلى قصرها وفود المعزين، التهبت نيران أحقادها أكثر وأكثر، مهددة: ألم يعد هناك رجال في حمير؟ أين الرجال؟ أين؟

الآن جاء دور النساء، ولا غيرهن.

إلا أن المصائب وتوقيتها لم تمهل البسوس؛ إذ سرعان ما تواترت الأخبار بمقتل «الصحصاح» ابن أخيها حسان ذاته، ليلحق بأبيه في قصره المنعزل على أيدي حلفاء التغلبيين الفلسطينيين والدمشقيين وعيونهم الذين أصبحوا يتطلعون إلى ربوع اليمن ذاته. - النكبة ذاتها.

وهكذا انفرط لوهلة، عقد حمير، وأصبح يدعو إلى كل مخاطر وتخوف ورثاء، مما دفع بالبسوس وشيوخ القبائل إلى التعجيل برأب الصدع، والبحث المضني، قبل أي شيء، عن مخرج من أهوال تلك الكارثة التي حلت دفعة واحدة بعرش التباعنة.

هنا تطلعت الأنظار لتحط على رأس «ذو اليزن» الصبي الذي لم يكن ساعتها قد بلغ الحادية عشرة من عمره، إلا أنه كان منذ صغره متماسكا يحوي حكمة الكبار، وتنبئ ملامحه عن البأس الذي عرف عن التباعنة، منذ عبد شمس أو «سبأ».

وعلى الفور أجمعت الآراء على المنقذ الجديد وهو «ذو اليزن» ابن عمرو - المغدور - الذي اشتهر ب «مزيقيا» أو الممزق، ليعتلي عرش التباعنة في تلك السن المبكرة، إنقاذا لليمن والجنوب العربي، بل وجزيرة العرب بأكملها وهي على تلك الحال من التفكك والاضطراب.

فجرت مراسيم تنصيب الملك الجديد ذو اليزن خافتة مبسطة من دون احتفالات وصخب وقرع طبول الرجروج، وذلك بسبب الحزن الذي ألم بالجميع عندما علموا بمصرع التبع حسان وولده الصحصاح، ولما ألم بعرش التباعنة.

وهكذا قدر لذو اليزن الذي ولد وتربى يتيما في كنف البسوس التي كانت قد اقتنصته اقتناصا من بين أحضان أمه، التي فرت بجلدها عائدة إلى قومها بالحجاز، عقب قتل التبع حسان لزوجها والد الطفل.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣١