تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندئذ تدخل «قشمر» عابثا مضاحكا قائلا: إن كنت تريد الطرب الآن، فمر سيدتي الجليلة تغني لك، فإن صوتها مليح ولفظها فصيح.

وطلب التبع منها أن تغني، فهو ينتظر على أحر من الجمر سماع صوتها وأشعارها وإنشادها.

هنا واصلت الجليلة تدللها مدعية الحياء والخجل من جموع الموجودين، مطالبة بإغلاق الأبواب حتى لا يسمع أحد.

وما إن انسحب المدعوون بإيماء من عين التبع، حتى تطوع قشمر بالحنجلة هنا وهناك مغلقا أبواب المخدع بنفسه في هزل.

ثم عاد مقدما قيثارة مذهبة للجليلة التي ارتفع صوتها مغنيا شجيا ساحرا:

بحضرة تبع الملك المسمى

بحسان إذا ما شن غاره

وقد أمسيت في قبضة يديه

ومن حبي شغل قلبي بناره

ألا يا حارس البستان صنه

وإن فرطت في الطير طاره.

وحين وصل الطرب بالتبع إلى أقصى مداه، زاد به الوجد والغرام، إلى حد مطالبة الجليلة بالغناء دون توقف، إلى أن عاجلها قائلا: مثلك حقا يا جليلة نادر بين النساء فقد زاد سرورنا هذا المساء.

هنا أيقن - كليب - المتنكر تحت جلد وأصباغ وهيئة مضحك الأميرة «قشمر بن غرة» أن الوقت قد حان، فمضى يواصل هزله، مومئا للجليلة سرا بمشاغلة التبع الغائب عن وعيه.

ثم انسحب باتجاه صناديق العرس والجهاز، فاتحا في سرعة وخفة مخرجا فرسانه المختبئين.

إلى أن عثر على سيف التبع ذاته، فخرج إليه به وقد تقلد درعه.

وهكذا «خرج كليب فجأة إلى الملك الأكبر، وقد احمرت عيناه، حين تذكر أباه، فصال وجال في وجه التبع الذي ألجم من هول المفاجأة.» «ثم قفز كليب مقاربا التبع هاجما، إلى أن تعرفه التبع وأيقن بالهلاك، والوقوع في شرك العقال.»

واندفع كليب جاريا داخل مخدع التبع من دون أن تتوقف الموسيقى أو الغناء، فهب التبع كالمجنون وقد تعرفه منشدا مرثيته الشهيرة الكبرى:

يقول التبع الملك اليماني

لهيب النار تشعل في فؤادي

أمير كليب يا فارس ربيعة

يا حامي النسا يوم الطراد

أريد اليوم أن أعلمك شيئا

لتعرف حال أخبار العباد.

ولم يمهله كليب بن ربيعة ليكمل مرثيته، فهجم عليه صارخا: «لا بد من قتلك كما قتلت والدي، فأكون قد أخذت بثأري.»

وتقدم منه ودق عنقه وشهر رأسه عاليا على أسنة رماحه!

الفصل التاسع

| اغتيال الصحصاح ابن التبع حسان

على ذلك النحو المأساوي، جاء ذلك العرس الدامي الذي أقامه التبع حسان اليماني لزواجه من الجليلة بنت مرة، والذي فيه قطع كليب الفلسطيني رأس التبع، بعد أن أمهله لإنشاد مرثيته الشهيرة التي اعترف فيها، بكليب وطراده:

أمير كليب يا فارس ربيعة

يا حامي النسا يوم الطراد.

وهي المرثية التي حملت عبر العصور بإضافات الرواة لما يعرف «بالتراكم الملحمي».

ففيها يتضح أن التبع القتيل كان على دراية بمصيره الدامي:

وعندي قد تبين بالملاحم

بأنك قاتلي دون العباد

وبعدي شاعرة تنزل عليكم

وعبدي يذبحك بين الجماد.

ويبدو أن التبع يعني بالشاعرة، عمته الشاعرة المنتقمة «البسوس» حينما يصلها خبر اغتياله بيد كليب في ربوع الشام، كما أن هذه المرثية، كشفت أبعاد المستقبل السياسي لبلدان الشرق الأردني القديم، مبشرة بالدور الفاتح الكبير الذي سيضطلع به ذلك الطفل الرضيع - ذو اليزن - ابن أخيه عمرو الذي سبق للتبع حسان قتله التزاما بالوصية، كما ذكر في مرثيته التراجيدية الكبرى على مرأى من الجليلة المتآمرة:

وسيف ذو يزن بعدك يظهر

تصحبه السعادة في العباد

ويبقى ملكه سبعين عاما

وبعد ذلك يطوي في الوهاد

ويظهر له ولد يدعوه «دمر»

شديد البأس مرفوع العماد

فيملك في بلاد الشام بعده

يجلب الماء من أقصى البلاد.

وهو ما حدث في أعقاب مقتل التبع حسان، وتشتيت فصائل بني ربيعة التغلبيين لجيش الملك حسان من اليمنيين، إلى أن اتخذ كليب مكانه، معلنا نفسه على رءوس الأشهاد أنه «التبع الجديد» مشهرا رأس التبع الغازي حسان، وعقد قرانه على حبيبته «الجليلة بنت مرة» التي قاسمته مخاطرة ما أقدم عليه، متسميا بكليب «ملك العرب والعجم».

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣٠