تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صادرا من فوره أوامره ونواهيه لكبار قواده وفيالقه وحرسه الخاص ، وكل من طالته يداه، لإنقاذ العروس وإحضارها أينما كانت.

والأدهى من ذلك أن تغيب كل قوة وحامية بسرعة الريح، ثم تمضي الساعات ولا تعود بخبر. - ما الخبر؟

هنا يشتعل غضب التبع وانتظاره أكثر فأكثر مرسلا بمجموعة أخرى في أعقابها. - ثلاثة قواد يرحلون، ولا يعود منهم أحد بالخبر اليقين؟

حتى إذا ما حط المساء جاثما، وضجت مدينة دمشق عن بكرة أبيها متندرة بعرس التبع الغازي الذي استحال إلى كارثة. - فضيحة!

انشقت الأرض فجأة عن العروس وموكبها الهائل، في حالة من الذعر والفوضى الشديدين.

حتى إذا ما تسلل موكبها من جمال وخيول بأحمالها إلى داخل عتبات قصر التبع الحصين دون أدنى رقابة ارتمت العروس من فورها بين أحضانه باكية كمثل مراهقة غريرة.

وأمام انبهار التبع حسان من جمالها وروعتها وكامل زينتها وإيماءاتها العذبة وتدللها، أمر من فوره بإدخال صناديق عرسها ووصيفاتها وتوابعها من خدم وحشم، مشيرا: أقيموا الأفراح.

وعلى الفور علت الزغاريد والغناء ودقت الدفوف، وامتدت سماطات وموائد الطعام، ولهجت الألسن بكل لهجة ولكنة ولسان بمحاسن العروس والعرس، إلى أن اختلط الحابل بالنابل، في تلك الليلة التي اعتراها التوتر والمفاجآت منذ مطلع النهار، بما ينبئ عن اختتامها بحادث جلل.

هكذا بدا الأمر للوزير وهو يرقب مجريات أمور هذا اليوم الرهيب وما سينتهي إليه.

تساءل الوزير وهو يرقب متطلعا في وجوه أهل العروس وأقاربها وخدمها وحشمها ومهرجيها؛ متسائلا: كل هذا الجيش!

مضى يرقب ما يحدث على مشارف مخدع التبع، الذي استسلم للجليلة، إلى حد إجلاسها إلى جانبه على «عرش التباعنة» ويستغرق من فوره من تتبع مضحكيها وسمارها الستة وهم يقفزون متراقصين عابثين هنا وهناك على أصداء الموسيقى الصاخبة.

وعن للوزير السؤال عن أحدهم وكان أبرزهم حركة وقربا إلى قلب العروس الجليلة بنت مرة.

فقيل له إن اسمه «قشمر بن غرة» وهو مضحك الأميرة.

انسحب الوزير محاولا جذب انتباه التبع لما يجري فما كان منه إلا أنه أغلظ له القول، إلى حد الإقلال من شأنه أمام الجليلة التي بدت للوزير ساعتها وعيناها لا تغفل عن مهرجها «قشمر بن غرة» مما دفع بالوزير إلى الانسحاب حفاظا على ماء وجهه، وهروبا بجلده مما يحدث.

وراحت الجليلة تروي على التبع نكات ومداعبات مهرجيها وتهكماتهم الذكية وخاصة هذا «القشمر»، مشيرة إليه بساعدها الخمري اللون البض الملمس.

فاندفع «قشمر بن غرة» من فوره قافزا راقصا هازلا تحت رقع ثيابه، متمنطقا جلد النمر ومتقلدا سيفه الخشبي وسوالفه مدلاة كمثل «كبش». - من يناديني ... من ... من؟ - اسمع يا قشمر. - سيدتي، مولاتي.

مضى المهرج مشهرا سيفه الخشبي، ممتطيا عصاة الجريد كمثل فارس مغوار يجري في هزل.

وحين أغرقت الجليلة في الضحك إلى حد الارتماء امتدت يد التبع ساندة لها في حنو: حقا إنه يضحك طوب الأرض يا جليلة. - حقا بهلول نادر. - يزيل الغم ويفرج الكرب.

واندفعت تحادث التبع المنتشي عما حدث لها من رعب خلال الطريق، إلى أن ضاقت بها السبل فأعادها إلى حيث البهلول والمرح والغناء وليلة العمر هذه. - لننس ما مضى يا جليلة يا حبيبتي.

هنا كان المهرج قشمر قد أوصل الجليلة والجميع إلى أقصى حالات الاستغراق في الضحك الذي لم يخل من مجون، إلى أن تجرأ معبرا عن نفسه بعد تصنعه الخوف والهلع طويلا من التبع وهيبته وتاجه. «فمضى من فوره راقصا بسيفه الخشبي، وكان تارة يبحلق عينيه، ويدق الأرض برجليه ويديه، وتارة يقول: أين الفرسان الفحول؟ أين ابن عطبول؟» «وكثيرا ما يرقص ويضحك بلا سبب، وهو راكب الفرس القصب، إلى أن اندهش التبع من أعماله، واستغرب أحواله وأقواله.»

بحث التبع فجأة بعينيه عن وزيره حنظلة فلم يجده، هنا شاغلته الجليلة وهي تلاطفه: تعبانة.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٢٩