تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى إذا ما سنحت - للتبع العاشق - رؤيتها بطريقة مباغتة ساحرة للمرة الأولى، أردته من فورها صريع هواها وعشقها.

ذلك أن الجليلة بنت مرة - وكجزء من خطتها - في تملك قلب التبع حسان، دبرت خطة ذكية مفاجئة ولا تخلو من أخطار، لتلتقي به متنكرة على هيئة أمير فارس شاب مع مطلع نهار خرج أثناءه التبع محاطا بفرسانه وكوكبة قوداه المقربين للصيد والقنص في أحد مروج لبنان.

وهنا تحينت - الجليلة - تلك اللحظة للالتقاء بالتبع، وهو يطارد أحد الحيوانات البرية، فبرزت له من بين الأشجار، بعد أن أردت فريسته بسهمها، فما كان من الملك التبع سوى الترجل مندهشا من مواجهة ذلك الفارس الماهر المجهول الذي قاربه مواجها: من أنت؟ - أنا قدرك، أيها الملك.

وبعدما فاق التبع حسان من هول المفاجأة على هذا النحو استل حسامه، كما لو كان على موعد مع لحظة اغتيال غادرة مباغتة. - قدري؟! - أجل، يا مليكي.

حتى إذا ما كشفت خباءها عن وجهها الباهر الجمال مرخية خصلات شعرها العسجدي الضارب إلى الحمرة، متقدمة في حياء مغمغة: أنا، الجليلة بنت مرة! - أميرتي الجليلة؟ - أجل.

وضحكا طويلا وهما يطلقان لخصيانيهما العنان إلى أحد المروج المهجورة.

توقف الملك حسان منبهرا في أقصى نشوته من تلك المفاجأة العذبة التي أرادت بها الجليلة أن تدخل السرور على قلب الملك. - متى ينتهي كل شيء لنسعد معا يا جليلة طيلة عمرنا؟ - أنا طوع يمينك يا مليكي.

ومنذ تلك اللحظة والملك حسان، لا ينسى مقدار السعادة التي غمرته كما لم تغمره من قبل إثر لحظة الفرح تلك التي جعلته ينتشي بالحياة وحبورها الذي يضفيه الحب قبل أي شيء آخر.

ولم يطل لقاؤهما، ذلك أن الجليلة تعمدت إنهاء ذلك اللقاء الخاطف المفاجئ، حين ودعته معاودة تنكرها بعدما خلع عليها قلادته الملكية فأطلقت عنان حصانها مسابقة ريح الصباح، مختفية، تاركة التبع العاشق، ليلحق بركبه وفرسانه، كمثل طائر هائم محلق بين أرز لبنان الساحر المتعانق في شموخه إلى عنان السماء.

حتى إذا ما لحق فرسان الملك حسان به ظل يضحك في فرح منتشيا، مما أثار فضول مرافقيه، عندما فاجئوه مع غروب الشمس تمهيدا للعودة إلى دمشق محملين بأسراب صيدهم! - نريد أن نعرف صيد التبع اليوم. - أروع صيد.

إلى أن نطق أحدهم هامسا في أذن الملك، مما ضاعف من سعادته: لعلها الأميرة، الجليلة؟!

فكان كلما اقترب موعد وصول موكب العروس وتوابعها من بيروت إلى دمشق، كلما تضاعفت أعباء الوزير - حنظلة - نتيجة أثقال الملك التبع المتوتر عليه بالمطالب واستكمال الاستعدادات. - ألن ننتهي اليوم؟ أما من مهرب؟

حتى إذا ما تدافعت وفود الرسل المذعورة الغارقة في سيول دمائها قبل عرقها، بل ومنهم من قطع لسانه من جذوره، عائدين معلنين الأنباء السوداء عن تعرض موكب «العروس» لعصابات قطاع الطرق، ونهب كنوزها، بل وأسرها على طريق بيروت دمشق ووصل توجس الوزير إلى أقصى مداه. - كيف حدث هذا، الجليلة؟

وهاج الملك التبع حسان وماج على طول جنبات قصره وقلاعه حين وصله الخبر، إلى حد التطاول بل والتعدي بالقتل لبعض مساعديه وحاشيته، فلم يسلم من غضبه الجارف أحد، حتى الوزير حنظلة ذاته. - لزوجتي، حليلتي، يحدث كل هذا!

بل إن حنظلة وجدها فرصة ذهبية لمواجهة التبع الغازي، وتبصيره بما ينتظره من ألاعيب أهل هذه البلاد من آل مرة والبكريين والتغلبيين، فمن الواجب عليه - أي التبع - التنبه والحرص ولو على الدم الذي أريق وسفح على مشارف تلك التلال والوديان والبقاع وصحاري الأدوميين، حتى استتب له الأمن بعد فتحها وحكمها.

إلا أن الملك لم يتح لوزيره كلمة عاقلة واحدة مواصلا هياجه كمثل جمل منتقم مفلوت العيار، وهو يسعى إلى حتفه سعيا، بكل ما أوتي من جبروت. - كيف يحدث ما حدث لزوجتي؟!

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٢٨